آراء

محمد عبدالقادر يكتب/ ابن البادية.. “حزنك امر”!!

سيدي صلاح ان تبطئ كلماتي مسيرها الي محراب النعي والرثاء حتي تستجمع ثباتا يعينها علي مواجهة الفجيعة ويدخلها تحت ظلال الصبر واليقين ، ولكن هيهات، فقد فتح رحيلك فوهات النزيف واسلمنا الي سطوة وجع سرمدي، فبكيناك مع القصائد وافتقدناك كما الاغنيات التي تيتمت ( يوم رحيلك من الدنيا).
ما اقسي هذه الدنيا وجثمان الملك المحمول علي اعناق (المحبين الحنان) ، يمضي في (زفة صوفيه) تحمل وقار الحضرة العجيب الي حيث مقام تبلله صراعة الدموع وتتسابق اليه الدعوات، سكن منير تغمره الرحمة وتحفه الطمانينة ويسوره اشراق وجه لطالما تسيدته عافية الايمان وسكنه صفاء الروح.
اي رجل انت يا ابن البادية، تلغي ببهاء صوتك ووقار حنجرتك وطلاوة صوتك المسافة بين الغناء والمديح وتجعل كلاهما تبتل في محراب الحبيب، وتصبح (روحنا وحبنا)، مغنيا وتعتقل دمعتنا في مقام الحبيب المصطفي مادحا، تتوجك الاوتار ملكا علي ساحة الغناء ويسجي جثمانك مثل اولياء الله الصالحين ، وتصنفك رحلة عيون ممثلا مبدعا اي رجل انت؟!.

يا لهذا الاريج اللاهث في انفاس المكان حيث دفق الصندل و( اعواد البخور )، كنت فينا (تاجر عطور) اهدانا المدائح والاغنيات المغسولة بالعذوبة والناطقة بكل لغات الحب والامتاع ،، كان صوتك يا صلاح عطرا يفوح من طقوس الفرح واقداح الحناء ، من غير صوتك يمنح الليالي قدرتها علي كسب رهان (العديل والزين) ، اجمل ايام افراحنا تلكم التي (جرتقها ) صوتك واطلق في فضائها البخور والزغاريد وربط في جبينها الهلال ووضع علي ساعدها (حريرة) ورش وضاءتها بضريرة واهداها (سعفة نخيل) (لمن عريسنا ورد البحر وقطع جرايد النخل) .

اختبأ صوتك في كل (زغرودة)، (يسرح ويدور بين الحسان) ، كان يخرج نديا من رعشة (الاوتار) ، مثلما يلتقينا درويشا من تخنقات (الطار) ، حملتنا من وشوشة العبير وحتي (جرحك الابيض) يا (جنا)، فسكنت في وجدان احب (عواطف)، (وفات الاوان)، كنت صاحب فرح ملحاح و(طوالي حالف يضبح تور)، تغني ف(تمتع) ، تمدح ف(تبدع) ، ولطالما ابكيتنا حيا ، وها انت تفعلها في يوم وداعك الاخير ،( يا فايت ومتناسينا رجع بسماتك لينا).

تتقزم مفردات الاسي حين يكون الحزن اكبر من الكلمات، يالها من فاجعة حينما يموت صلاح ابن البادية الملك و (المالك الحصري) لختم التجويد والممسك بدفة الغناء الشجي والالحان التي تنفذ الى الدواخل دون استئذان، خاطر الرثاء جريح ورهان الدمعة علي اطفاء لهيب الفقد خاسر، فقد استنفد الوجع طاقة الاحتمال واستعصي الصبر مع اسف الرحيل ووطأة المصيبة.
(حسنك امر احضن صبابات الهوي) واتوسل الي ذكراك الخالدة فينا بسيل من نحيب الالحان التي تيتمت ، فقد هد رحيلك ( حيل الغنا)، وانت في خاطرنا (كلمة) مست شغاف الوجدان قبل ان تفرقنا يا حبيبي ، مازالت الحنجرة التي تنثال شهدا تذكرنا بحنين (الجرح الابيض) في يوم رحيلك الاسود، مازلنا حتي يوم الفراق نسال عن حضورك الصوفي المهذب وصوتك المدهون بالوعي والرصانة مازال يقنعنا فى كل يوم بان (الدهن فى العتاقي) و(الشجن) فى الحناجر الكبيرة، حين يغني صلاح تشعر بان (الجودة) ليست صدفة كما يقول الاعلان الشهير ، وان الاحتفاظ بولاء الوجدان السوداني ليس امرا يسيرا مثلما يتصور البعض وهم يراهنون على (اللوك والشو) بعيدا عن النحت على صخرة البقاء فى اذهان الناس عبر الاعمال الكبيرة والالحان الخالدة.

صلاح ابن البادية، (الملك) صاحب حنجرة من ذهب ومفردة تنضح عسلا وطربا ورصانة استطاع ان يخضع اذاننا الى عمليات تعقيم دائمة ضد ما يعلق بها من (تلوث) تجره الاصوات المشروخة .
شكلت اغنيات صلاح (انتي فيروس) ضد محاولات (تهكير) الذوق العام ومثلت مصدات تقينا شر الهبوط الزاحف الى حياتنا من ادعياء الابداع و(ارباع) الموهوبين، برحيل صلاح انهد (حيل الغنا) ، و(ما قادر اصدق انو فات) ، ولكن ( ما دمت انت سعيد) فالله نساله ان يتولاك بالرحمة والمغفرة ويربط علي قلوب اسرتك واهلك ومريديك ومحبيك، ولاحول ولاقوة الا بالله.

اليوم التالي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى