آراء

إليكم/ الطاهـر ساتي .. مُوسم التّباكِي..!!

:: الخريف من مواسم الخير، ولكنه في بلادنا مُوسم لشق الجيوب ولطم الخدود.. وللأسف، لا تزال الدولة – شعباً ونظاماً وإعلاماً – تظن بأنّ مُعاناة الخريف محض حدث عابر، وهي لم تعد كذلك.. فالسُّيول والأمطار التي تُسبّب المتاعب في بعض مناطق السودان لم تعد محض حدثٍ عابرٍ.. فالشّاهد، منذ تسع سنوات تقريباً، بشهادة هيئة الأرصاد، يشهد مناخ السودان (تغيُّراً إيجابياً).. ولكن، كالعهد بها دائماً، فإنّ الدولة آخر من تعلم..!!

:: عرفت اتفاقية الأمم المتحدة هذا التغيُّر بأنّه (تغيُّر في المناخ يُعزى بصورة مُباشرة أو غير مُباشرة إلى النشاط البشري والذي يفضي إلى تغيُّر في تكوين الغلاف الجوي للأرض)، هكذا التعريف العلمي المُتّفق عليه.. وقد تكون السدود هي السبب وقد لا تكون، فالمُهم أنّ معرفة النشاط البشري الذي يؤدي إلى التغيُّر المناخي من مهام الخُبراء والعلماء.. وما يُلينا – كمجتمع وسُلطات – هو فقط تكييف حياتنا بحيث تُواكب المُتغَيِّرات المناخية..!!

:: فالطبيعة لا تُقاوم، ولكن يُمكن ترويضها بحيث لا تُسبِّب المخاطر، وهذا الترويض هو المُواكبة.. وعلى سبيل المثال، تأمّل ما يحدث في شرق النيل وبعض قرى نهر النيل والنيل الأبيض من فَقدٍ للأرواح ودَمارٍ للقُرى بسُيُول وفيضان تجاوز المُعدّل.. و(تشاهد غداً)، ما يحدث لقُرى أخرى بولايات أخرى.. وهذا التأثير الناتج عن زيادة مُعدّل الأمطار والسيول لَم يَحدث في الخمسين سنة التي سبقت الثلاث سنوات الماضية، حسب رصد هيئة الأرصاد في العام الفائت..!!

:: وصار طبيعياً أن يتجاوز الفاصل المداري – منذ أكثر من خمس سنوات، حسب رصد هيئة الأرصاد – وادي حلفا.. أي كل الإقليم الشمالي لم يعد يختلف كثيراً – من حيث التأثير بالأمطار والسيول – عن أقاليم السُّودان الأخرى، وهذا هو المعني بـ(التغيُّر الإيجابي).. فالمياه – أينما وُجِدَت وكيفما هطلت أو سرت – فهي نعمة.. ولكن الإنسان هُو مَن يُحوِّلها إلى (نقمةٍ)، وذلك بعجزه – أو فشله – في ترويضها بحيث يتم استغلالها في الزرع والضرع..!!

:: هيئة الأرصاد غَير مَعنية بالبحث عن أسباب التغيُّر المناخي الذي تشهدها البلاد، بحيث تكاد أن تتساوى كل ولايات السودان في (مُعدّل الأمطار) و(حجم السيول).. هيئة الأرصاد مُهمّتها الرصد والتحليل فقط.. أما الدراسات والبحوث فهي مهام (دولة بي حالها)، وذلك بالصرف على مراكز الأبحاث والدراسات.. والتغيُّرات المناخية من القضايا الاستراتيجية التي تضعها الدول في قائمة الأولويات، وذلك لصلتها المُباشرة باقتصاد الدول وصحة وحياة شُعُوبها..!!

:: وما لم تُواكب المُجتمعات – تخطيطاً وتنفيذاً – هذه التغيُّرات المناخية التي تشهدها البلاد، فالمُستقبل – كما الحاضر في قُرى شرق النيل ونهر النيل – محفوفٌ بالمَخَاطر الكُبرى في مُعظم ولايات السودان.. والجدير بالتأمُّل – بغرض الاستفادة من التجارب – هو أنّ نمط حياة أهل القضارف – على سبيل المثال النموذجي – نجح في ترويض الأمطار.. ولهذا لا تَسمع للقضارف صراخاً في مُوسِم الخَريف، أي ما بين الأسمنت والقطاطي تقاسموا (الوقاية الجيِّدة)..!!

:: وكذلك أهل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، ولا أعني سُكّان المدائن التي تُعاني من سُوء التخطيط أو التخطيط في (مجاري السيول)، بل الأرياف الشاسعة ذات المساكن والمَزارع التي تحتفي بالأمطار ولا تلطّم الخدود.. ولأنّ الوقاية خيرٌ من العلاج، فإنّ المُجتمعات المُتأثِّرة بالخريف بحاجة إلى تغيير في نمط حياتها لتُواكب هذا (التغيُّر المناخي).. كيف؟.. هنا يأتي دور التخطيط الاستراتيجي للدولة.. وللأسف، هذا الدور لا يزال يختزل التخطيط الإستراتيجي في انتظار الكوارث لاستجداء الإغاثة و التباكي و المناحات و .. شدي حيلك يا القطاطي و يا بيوت الطين أقيفي ..!!

صفحة الكاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى