آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين – الجيش والسلطة.. مقاربة ملغومة

قد يكون الجيش في دولة من الدول بمثابة جماعة ضغط في صناعة القرارات، وقد يتعدّى هذا الدور إلى فرض النظام الذي يعتقد أنه مناسب للدولة، وذلك عبر آلية الانقلاب العسكري، مرتكزا على إيديولوجيا وحيدة هي أن الجيش هو الدولة.
والجيش في أفريقيا والعالم الثالث عموما له دور سياسي لا يستطيع أحد التغاضي عنه، ولا مجال للحكم على دور الجيش هناك بمعيار وضعية جيوش العالم الأول في ظل ديمقراطيات عريقة، وعليه لا يمكن تصور حدوث أي تحول سياسي في العالم الثالث سواء من ديكتاتورية الى ديمقراطية أو العكس، من ديمقراطية الى ديكتاتورية إلا بمساهمة وتدخل الجيش.
في السودان على سبيل المثال تم الانحياز للثورة الشعبية في ابريل 2019 من قبل الجيش بطلب من الثوار اعترافا بدوره، وبمباركة السياسيين الانتهازيين، في حين اعتبر البعض ذلك انقلابا عسكريا.
الواقعيون يرون أن التزام ناصية الواقعية خطوة حتمية للانتقال الى وضعية الجيش في الديمقراطيات العريقة، وما هو معلوم أن الديمقراطيات العريقة سواء في فرنسا او بريطانيا أو امريكا لم تصل الى ما هي عليه من تماسك الا بعد سنوات عجاف من الحروب الأهلية المتطاولة، فالعالم الثالث يحتاج لتجسير بين واقعين؛ حالي مأزوم ومرفوض وآخر مرجو ومأمول.
ويبدو أن حالة العداء للجيش أو التحالف معه، في أوساط القوى المدنية أمر مرتبط بتحقق المصلحة السياسية التي تتقزم أمام المصلحة الوطنية العليا. فإن عقدنا على سبيل المثال، مقارنة بين علاقة الجيش بالقوى السياسية في كل من مصر والسودان، وقسمنا القوى السياسية في كلا البلدين إلى يمين ويسار، سنجد أن اليمين في مصر يتوجس خيفة وريبة من الجيش الذي صيغ وأسس بنيانه منذ أمد بعيد على العلمانية التي تصب في بحيرة اليسار، بينما نجد اليمين في السودان يعتبر عقيدة الجيش في عمومها تصب في بحيرة اليمين، مع الاشارة إلى أن ذلك ليس صحيحا مائة بالمائة على الأقل في بعض الفترات الزمنية، بيد أن الثلاثين سنة الاخيرة يمكن التأكيد على أن صياغة الجيش السوداني غدت تصب في بحيرة اليمين، ولذلك تختلف نظرة القوى السياسية الى الجيش في كل من مصر والسودان في اطار هذه المحاولة التوصيفية الاجتهادية.
إن الجدل الحالي في السودان حول شركات الجيش السوداني تبدو دوافعه سياسية بحتة، فاليسار الذي يتولى هذه الحملة يعمل على شيطنة المؤسسة العسكرية السودانية سعيا لتفكيكها لصالح حلفائه من الحركات المسلحة المتمردة، لاعتقاده بأن الجيش بوضعيته الحالية يصب في صالح اليمين، فهذه الحملة تريد تحويل الجيش السوداني من اليمين الى اليسار وهذا يعني استمرار ادخال الجيش في اللعب السياسي غير الحميد.
وما يشير إلى خطل حملة اليسار السوداني ضد الجيش أن استثمارات الجيش ليست بدعا؛ فالجيش الأمريكى يستثمر 44 مليار دولار بالإنشاءات، و”أوياك” التركية تمتلك متاجر تجزئة ضخمة، و”كانتين الهندية” تبيع 23% من سيارات البلاد، والجيش الإيطالى يورد “الماريجوانا” لشركات الدواء، أما الجيش المصري فيتحكم في نحو 40% من الاقتصاد.
إن اليسار السوداني لا سيما الحزب الشيوعي ينطلق في حملته الشرسة ضد الجيش من رؤية منظّر الشيوعية فلاديمير لينين الذي يرى ضرورة أن يأخذ الجيش زمام المبادرة السياسية، قطعاً للطريق على البرجوازية التي تريد تحييده. لكن بغض النظر عن هذه النظرة أو تلك فإن الجيوش لابد وأن تكون أكبر من التصنيفات السياسية ولابد من أن تتمتع باعتباريتها ووضعيتها ومكانتها الاستراتيجية في بناء وهيكل الدولة، بينما تبقى القوى السياسية متنافسة ومتدافعة في اطار الحكومات المحدودة بحيز زماني وفق تفويض جماهيري لا يتمتع بالديمومة إلا في اطار تجديد الثقة عبر آليات التبادل السلمي للسلطة.
حملة اليسار السوداني جعلت رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد الأعلى للجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان ينتفض غضبا وهو يخاطب جنود وضباط الجيش بمناسبة العيد الـ66 للجيش قائلا: “ظللنا نتابع المحاولات الحثيثة من قبل البعض لتشويه سمعة القوات المسلحة وشيطنة قوات الدعم السريع ومحاولة الفتنة بينهما لكننا نقول لهم نحن متحدون ومتماسكون ويد واحدة وعهدنا مع الشعب أن نقف معه ومع ثورته”. مضيفا أن: “الجيش في رهن إشارة الشعب كما استجبنا له في ابريل”.
ما لا يعلمه اليسار المتنمر أو يتجاهله متعمدا أن للجيش أهمية وربما قدسية في كافة المجتمعات، يعزز ذلك طبيعته النظامية، وهيكليته المؤسساتية، وانضباطه مما يؤدي إلى تحقيق أهدافه التي بالضرورة هي جزء لا يتجزأ من أهداف المجتمع والدولة.
ولربما افتقدت قيادة الجيش السوداني الحالية إلى الكاريزما المرتبطة بدور بطولي مرتبط بالحروب أو الأزمات التي يبرز فيها دور الجيش، ولذلك حاول البرهان في انتفاضته تلك أن يستدعي ما يجلب له دور البطل، معلنا أن الجيش لن يتراجع حتى يتم رفع علم السودان في مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه مع مصر.
لعل الأزمة السياسية التي تعمقت في السودان بعد سقوط النظام السابق سببها فشل المدنيين والعسكريين في الوصول إلى معادلة المصلحة المتبادلة، فالسياسي لا يستطيع تحقيق استقرار حكمه دون دعم الطرف العسكري ومساندته، كما أن العسكري يعتمد في الوقت نفسه على السياسي للبقاء في منصبه، وضمان استمرارية هيبة المؤسسة العسكرية وقوتها.
اليوم يبدو الجيش السوداني أمام تحد وجودي كبير لاسيما الانفلات الأمني في بعض الولايات والانهيار الاقتصادي الماثل، فهو المسؤول عن الحفاظ عن وطن يقف على حافة الهاوية. وليس من المنطق أن يرهن مصير الاستقرار السياسي على شريكه تحالف قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية لحكومة حمدوك التي لم تعد تتمتع بسند جماهيري بسبب فشلها في تحقيق كل ما أوكل إليها. فالجيش لا خيار له إلا إعادة صياغة تحالفه مع المدنيين بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وفق برنامج وطني جامع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى