سياسة

فساد خطير للنظام البائد .. أسرار تفضحها وثائق المؤسسات المالية العالمية

الخرطوم: تقرير
بلغ صادر النفط السوداني بحسب وثائق التجارة العالمية (8.9 مليار دولار)، بينما قالت حكومة البشير أنها صدرت ما يعادل (4.8 مليار دولار).

رصد: عبدالناصر الحاج
في الوقت الذي تدور فيه رحى الحرب على الفساد الذي كان سمة بارزة في عهد “الانقاذ” البائدة، وفي الوقت الذي استبشر فيه السودانيين خيراً بنجاح ثورة ديسمبر التي اسقطت تلك “العصابة” الحاكمة، كانت لجنة إزالة التمكين واستراد الأموال المنهوبة هي إحدى بشريات تلك الثورة الباذخة، وهي إحدى أدواتها الثورية الفاعلة في تفكيك منظومة الفساد الذي استشرى خلال حقبة الثلاثون عاماً الماضية، إلا أن هناك كثير من الأصوات لا زالت تجهر بما هو الأكثر ضرورة وأشد إلحاحاً وهو الكيفية التي يمكن أن تُسترد بها الأموال المنهوبة من الدولة السودانية والتي لا زالت تقبع في بنوك خارج السودان ، بينما انحصر نشاط لجنة إزالة التمكين في استرداد أراضي وعقارات وأصول لا تساوي ربع القيمة من تلك الأموال الطائلة التي استحوذ عليها النظام البائد فقط خلال الفترة من 2012 إلى 2018، أي أعقاب انفصال الجنوب وبداية ظهور الأزمات الاقتصادية في السودان، وهي ذات الفترة التي تخللها حراكاً جماهيرياً كبيراً تصدت له القوات الأمنية لنظام المخلوع بالقمع والعنف المفرط في سبتمبر 2013، و2016 ونهاية 2018 ونتج عنه استشهاد مئات السودانيين والسودانيات، بل وغرق السودان خلال تلك الفترة في حروب دامية في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، بينما كانت أموال الدولة السودانية ينهبها “زبانية” النظام المخلوع.

دراسة استقصائية:
كشفت دراسة استقصائية أعدها مجموعة من الخبراء بالتعاون مع إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية في صندوق النقد الدولي، عن فجوة معلوماتية خطيرة فيما يتعلق بالمعلومات المالية الصادرة رسمياً من بنك السودان المركزي في الفترة ما بين 2012- 2018 عن الأنشطة التجارية لحكومة المخلوع البشير، وتلك المعلومات التي أودعها الشركاء الدوليين لدى إدارة الاتجاهات الإحصائية للتجارة الدولية في صندوق النقد الدولي.

وقال الصحفي الاستقصائي السوداني عبدالرحمن الأمين في ندوة نظمها تجمع السودانيين لدعم الثورة بمنطقة “ديلمفارما” شرق الولايات المتحدة الأمريكية – رصدتها (الجريدة)- بعنوان ( الأموال المنهوبة، بين تباطؤ الحكومة والتعقيدات الخارجية) خواتيم يوليو الماضي، ولكنها – أي الندوة – أضحت متداولة في الوسائط الإعلامية في خواتيم أغسطس المنصرم، قال عبدالرحمن الأمين، لقد بلغ النظام البائد مبلغاً من الفساد الذي لا يمكن تخيله خلال حقبة الثلاثون عاماً التي حكم فيها، مشيراً إلى أن الانقاذ عندما استولت على الحكم في البلاد في يونيو 1989، وجدت أن كل الديون الخارجية المطلوبة من حكومات السودان منذ فجر الاستقلال إلى آخر يوم في حكومة الديمقراطية الثالثة لا يتجاوز الـ13 مليار دولار، وأن هذه الديون تراكمت في عهد الانقاذ حتى بلغت 58 مليار دولار- أي بزيادة 45 مليار دولار لم يتم تسديد أي دولار فيها حتى الآن.

وكشف عبدالرحمن الأمين عن دراسة تم استقصاء المعلومات فيها من إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية بصندوق النقد الدولي، وذلك برصد 374 صفقة تجارية قامت بها حكومة السودان في الفترة ما بين 2012 – 2018 ، وقد تم التركيز على معلومات 70 دولة فقط ممن قاموا بمشاركة السودان في نشاطه التجاري الدولي خلال تلك الفترة، حيث بدأ واضحاً أن هناك فروقات وفجوات كبيرة بين المعلومات المالية الصادرة من بنك السودان المركزي وتلك الموجودة على دفاتر إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية في صندوق النقد الدولي.

أموال النفط:
المعلوم أن السودان دخل نادي النفط العالمي عندما قام بتصدير أول شحنة نفط للخارج في أغسطس 1999م ووقتها بحسب المعلومات الحكومية بلغت 60 مليون برميل، واحتفى السودان والسودانيين بتلك الشحنة كأول محاولة جادة لتصدير النفط السوداني، وبعدها لم يتم الافصاح عن بيانات التصدير أو إلى أين أو الأموال العائدة منها، إلى أن تم توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق في نيفاشا 2005، وعلى الفور تم تعديل طفيف بمنح الإقليم الجنوبي بعض من عوائد النفط بحسبان أن غالبية الانتاج يقع في جنوب السودان، ولكن احتفظ نظام البشير بوزارة الطاقة ورفض منحها للجنوبيين مقابل التنازل عن وزارة سيادية كانت هي وزارة الخارجية التي ترأسها لام أكول. بعد انفصال الجنوب في 2011 تحججت حكومة البشير بأنها فقدت عوائد النفط لذهاب غالبية حقول النفط المنتجة مع دولة الجنوب المنفصلة، وبدأ على الفور ملامح أزمة اقتصادية تدخل السودان بحلول العام 2012، وأقرت حكومة السودان وقتها بأنها سوف تتجه لتصدير الذهب بديلاً عن النفط الذي كان يدر أموالاً طائلة للسودان قبل الانفصال.

خلال الندوة في “بيلفارما” قال الصحفي الاستقصائي عبدالرحمن الأمين ، كان هناك تصديراً للنفط السوداني يتم من وراء الكواليس دون الإدلاء بمعلومات حوله، حيث أشارت الدراسة التي تمت بالتعاون مع إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية في صندوق النقد الدولي، بأن السودان ووفقاً لمنشور صادر من بنك السودان المركزي عن بيانات تجميعية من وزارة الطاقة، قال صدرنا خلال الفترة من 2012 -2018 ما يعادل 62.3 مليون برميل نفط، والذي تبلغ قيمته حوالي (4.8 مليار دولار)، بينما قال الشركاء الدوليين للسودان ووفقاً لمعلومات إدارة الاتجاهات، أنهم اشتروا من حكومة السودان خلال ذات الفترة ، 112.2مليون برميل وهو ما يعادل (8.9 مليار دولار)،

وأكد الأمين أنه وبحسب المعلومات المتاحة فإن السودان احتل المركز 42 من بين الدول المصدرة للنفط. وأضاف الأمين أنهم وجدوا بحسب المعلومات المتاحة في المؤسسات المالية العالمية بأن السودان رغم أنه أعلن رسمياً خلال تلك
الفترة بأنه قام بتصدير بترول وذهب بقيمة 60 مليار دولار، غير أن الموجود.

وبحسب الشركاء أن التصدير بلغ 90.9 مليار دولار، أي بفجوة بلغت 30.9 مليار دولار في تناقض بائن بين المعلومات الرسمية الصادرة عن الحكومة وبين معلومات الشركاء الدوليين في النشاط التجاري والمسجلة في إدارة
الاتجاهات الاحصائية.

أموال الذهب:
في ديسمبر من العام 2018، كان الحراك الثوري قد بدأ فعلياً على أرض الواقع ضد نظام المخلوع البشير، وقتها كان بنك السودان المركزي قد وافق على السماح لشركات التعدين الأهلية والأجنبية والأفراد، بتصدير معدن الذهب، بعد احتكار حكومي لتصديره دام أكثر من 6 أعوام. وينتج السودان 150
طن ذهب في العام، ولم يفلح البنك المركزي إلا في تصدير 37 طناً خلال العام الجاري، بحسب معلومات الحكومة، وكانت مئات الأطنان من الذهب يتم تهريبها إلى دول الجوار، ما أهدر مورداً اقتصادياً مهماً، من شأنه معالجة الأزمات الاقتصادية في الوقت الذي كانت فيه تتمدد صفوف وطوابير الوقود والخبز وصفوف وطوابير أمام الصرافات الآلية وصالات البنوك، بعد تفاقم أزمة السيولة في البلاد في تلك الفترة.

وخلال الندوة التي رصدتها (الجريدة)، قال عبدالرحمن الأمين بأن حكومة البشير لجأت خلال السنوات الأخيرة لتصدير الذهب بعدما أعلنت عن انحسار النفط السوداني بسبب انفصال الجنوب وعدم الاستفادة من عوائد النفط المتمثلة في رسوم عبور نفط الجنوب لاندلاع الحرب في الجنوب، وأضاف الأمين بأن الذهب لم يختلف عن النفط فقد كان أيضاً مدخلاً لفساد كبير، حيث أصدر بنك السودان المركزي رسمياً عن بيانات بشأن الصادر من الذهب السوداني خلال الفترة ما بين 2012- 2018، مؤكداً أن السودان قد صدر خلال تلك الفترة نحو 205 طن من الذهب والذي بلغت قيمته نحو 8.6 مليار دولار.

ولكن الصحفي الاستقصائي عبدالرحمن الأمين فاجأ الحضور بأن المعلومات المستقصاة من إدارة الاتجاهات الاحصائية للتجارة الدولية أشارت إلى أن أن السودان وبحسب الشركاء قام بتصدير نحو 404 طن من الذهب خلال نفس الفترة، وهو ما يعادل نحو 12.7 مليار دولار.

الجريدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى