آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين .. سلام البوفيه المفتوح.. مشهد سريالي

اليوم ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وتدثرت النار بالرماد لحين، فبعد أن انفض صخب احتفاليات اتفاقيات السلام الأعرج في السودان في جوبا وأديس أبابا برعاية ثعالب خلف الكواليس؛ من أين ستغطي حكومة الخرطوم كُلفة السلام ولا نقول كُلفة التنمية ومشاريعها ورفاهية المواطن السوداني، لأن ذلك ليس من أولويات الطبقة السياسية؟.

فجميع الطبقة السياسية السودانية بنخبها العسكرية والسياسية وحركاتها المتمردة جعلت من الحكم دُولة بينها تسعى للسلطة ليس رغبة في تعمير البلاد والارتقاء بها وإنما رغبة في الحكم لإشباع نهم واطماع مصالحها الذاتية. وهكذا غدت الطبقة السياسية في استئثارها بالحكم وطيباته، مثلها مثل الطبقة الأرستقراطية في أوروبا في عهود سابقة.

إن المشهد السياسي اليوم في السودان مشهد سريالي فوضوي عبثي، وربما السريالية منه براءٌ ومع كونها تعني حرفياً “فوق الواقع” أو عدم المنطق، إلا أنها حركة ثقافية في الفن والأدب. بينما سريالية المشهد السوداني تعكس استهتارا بمصالح البلاد العليا ولعبا بآمال الشعب في سودان آمن مستقر.

كل أقطاب الحكم الانتقالي الحالي حطوا رحالهم الأسبوع الماضي مهرولين إلى عاصمة دولة جنوب السودان لتوقيع اتفاقية سلام مع حركات التمرد المسلح التي لم تعترف بالثورة التي اطاحت بنظام الرئيس عمر البشير في ابريل 2019. فتلك الحركات لا تعترض على النظام الحاكم في الخرطوم فحسب وإنما تعترض على الدولة السودانية بتركيبتها الجيوسياسية الحالية المعترف بها دوليا وهي الوضعية التي نالت بها عضوية المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

ومع ذلك لم توقع كل الحركات المتمردة التي تزعم تمثيل مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، على اتفاق جوبا؛ فهي ليست على قلب رجل واحد وخلافاتها بل احترابها ليس بسبب الحرص على مصالح مناطقها وإنما حول ما يمكن أن يناله قادتها من جُعل السلطة وبهرجها وكراسيها الدوّارة.

هناك في جوبا جاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الجنرال عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع المنافسة وربما الموازية للجيش السوداني، وتلك قضية أخرى معقدة ونار تستعر تحت الرماد، كما جاء رئيس مجلس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك. ومن دون الدخول في تفاصيل الاتفاق المعيب الذي ساهمت في صياغته ثعالب الكواليس؛ فإن الفوضى والعبث ضاربان بأطنابهما في المشهد حتى من حيث المنطق والشكل الإجرائي البروتوكولي.

ولعل أطرف توصيف لمفاوضات السلام المتكررة حينما سماها أحدهم بسخرية لاذعة بمفاوضات البوفيه المفتوح. فبينما شارك رئيس الوزراء غرماءه في السلطة شرب نخب الاتفاق الأول مع جزء من الحركات المتمردة في جوبا، طار بعدها مباشرة إلى أديس أبابا لتوقيع اتفاق مع إحدى الحركات المتمردة الرافضة لاتفاق جوبا برعاية أمريكية – اثيوبية من خلف الكواليس، وثعالب الكواليس في اتفاق جوبا مثلته أطراف عربية وإقليمية لها أيد سلفت طامعة وعابثة في المحيط العربي والأفريقي.

وسبق لحمدوك أن تنازل عن صفته الدستورية ليلتقي بزعيم الحركة المتمردة في جنوب كردفان عبد العزيز الحلو في مدينة كاودا التي يعتبرها عاصمة لما يسميها بالأراضي المحررة، وقد مثلت زيارة حمدوك اعترافا ضمنيا لسلطة الحلو على اراضٍ ضمن حدود الدولة السودانية وكان ذات الأمريكي مهندس اتفاق اديس الاخير حاضرا في تلك الزيارة العبثية واسمه ديفيد بيزلي حاكم ولاية كارولاينا والمقرب جدا من الرئيس دونالد ترامب.

إن من يمعن النظر في تفاصيل هذه الاتفاقات وبعد تجاوز العموميات المكررة مثل احترام التنوع الثقافي والديني والتنمية المتوازنة وغير ذلك؛ نجد أن اتفاق أديس يجُبّ اتفاق جوبا واتفاق جوبا يجُبّ الوثيقة الدستورية – دستور الفترة الانتقالية – التي رعتها أطراف دولية. إذن فلا قداسة أو صدقية لاي اتفاقية، فضلا عن أن الأطراف الموقعة لا تملك تفويضا للبت في أمور تخص الدولة بهذه الخطورة.

اتفاق أديس يقول يجب أن يقوم الدستور على مبادئ فصل الدين عن الدولة، وفي غياب هذا المبدأ يجب احترام حق تقرير المصير. فكيف لحركة متمردة صغيرة تسيطر على مساحة من الأراضي بدعم إقليمي لوجستي ودعم سياسي دولي أن تفرض على كامل أهل السودان واستباقا للمؤتمر الدستوري أمرا كهذا ويوقع رئيس الوزراء على ذلك؟!. أما اتفاق جوبا فقد تضمن حكما ذاتيا لمنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان على أن تقسم موارد ومداخيل المنطقتين بنسبة 60% للسلطة الفيدرالية و40% للمحلية.

إن حق تقرير المصير والاستفتاء ارتبط في عهود الاستعمار التقليدي بحق الشعوب المستعمرة في التحرر من الاستعمار الأوروبي والحصول على الاستقلال لكنه اليوم وفي عهد الاستعمار الخفي، أصبح يرتبط بمطالب بعض الجماعات العرقية أو الدينية في الانفصال عن الوطن الأم وتكوين دول جديدة، غالبا بسبب الصراعات التي زرعها المستعمر. وإن كانت المطالبة بحق تقرير المصير هو قيام دولة مستقلة، فليست كل الدول التي قامت استنادا إلى تطبيق هذا الحق في السنوات الأخيرة تمتلك مقومات الدولة القابلة للاستمرار والنجاح. ولعل دولة جنوب السودان أكبر مثال على ذلك ومن سخرية القدر أن الطبقة السياسية في الوطن الأم هرولت إليها بخيلها ورجلها تبتغي عندها سلاما مزعوما كاذبا وما درى أولئك أن فاقد الشيء لا يعطيه.

إن السبب الرئيس والعامل المشترك في تجزئة الدول وتفتيتها كان ضعف الدولة المركزية ووهن سيطرتها على أراضيها، وليس السبب انطباق شروط تقرير المصير سواء من الناحية القانونية أو السياسية. فدولة مثل الصين لن تسمح بانفصال تايوان عنها ولا تجرؤ دولة على دعم التايوانيين علنا. كما ليس من المتوقع أن يحصل الكاتالونيون على استقلال إقليمهم عن أسبانيا. ولن نسمع يوما بأن حق تقرير المصير قد منح لسكان أستراليا الأصليين أو الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى