آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين باعوه وأي بيع؟.. دراهم معدودة

حكام الفترة الانتقالية في السودان أرادوه وطنا سائرا في ركاب “سيداو” تطأه أقدام الغانيات وتشوهه أخلاقيات وسلوكيات قاع المدينة؛ فعمدوا عابثين بحصنه الحصين يعدولون قوانينه وتشريعاته. ومضوا أكثر من ذلك يزدرون ضعفه ويدمون لوعته فساروا في ركاب التطبيع مع إسرائيل تتقمصهم حالة من السفور السياسي غير عابئين يسقون شعبهم كأْساً زُعافاً مُزجَت زُعاقا. لقد باعوا وطنهم وأي بيع بخس دراهم معدودة وشعبهم معفر تحت نجوم السماء، وفي بطون الأودية ينتظر لقمة عيش وشربة ماء. اليوم تبدو خطوة التطبيع السوداني على وشك الاستواء يكسوها تناقضا عبثيا بين المنطلق والغاية والأسلوب.

هناك في أبوظبي هرول قادة السودان الانتقاليون للحاق ببازار التطبيع في مفاوضات غير متكافئة لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون. هناك على مائدة اللئام جلس موظفون أمريكيون أقل من درجة وزير يطرحون رفع السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب ومساعدات تنموية واستثمارية مقابل التطبيع.

وقيل أن تأجيلا للتوقيع تم بعد أن طلب مفاوضو الخرطوم مبلغا نقديا على أن يعاود الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي لاحقا لمواصلة التفاوض. ويظن المفاوض السوداني أنه يحسن صنعا إذ أن العرض الأمريكي مربوط بالانتخابات الامريكية ويريد الرئيس دونالد ترامب المتحفز لفترة رئاسية ثانية أن يقول لناخبيه وللوبي اليهودي خاصة أنه حقق السلام في الشرق الاوسط وفي ذات الوقت تسعى حكومة الخرطوم لاستثمار هذه الفرصة وهي تظن أن السودان لن يكون ضمن اولويات ترامب في فترته الثانية في حال اعادة انتخابه.

وبينما يطالب المفاوض السوداني بمبلغ نقدي يواجه ترامب بمطالب عائلات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998 والمدمرة كول عام 2000 بتعويضات من الخرطوم قدرها 335 مليون دولار بزعم إيواء السودان لمسلحين نفذوا تلك الهجمات. ويخطط ترامب لمواجهة هذه المعضلة القفز على تشريع من الكونجرس يضمن التعويض الفوري لعائلات الضحايا.

وفي خضم ضوضاء بازار التطبيع يستبد سؤال: هل مازال هناك من يعتقد – إن سلمنا جدلا أن التطبيع فيه مصلحة وطنية وهذا ليس صحيحا البتة – بأن هذه المصلحة يسعى إليها حكام الخرطوم بإخلاص للوطن وليس لدعم كراسيهم في ظل منافسة مستعرة بين العسكريين والمدنيين؟. محامي سوداني شهير ورئيس لجنة التحقيق حول فض اعتصام القيادة العامة استنكر قول مسؤولين امريكيين أن الكونجرس سيدعم مشروع الحصانات السيادية اذا تم المضي في التطبيع، معتبرا ذلك شأن داخلي بحت يتعلق بسيادة السودان ولن يتم الا في حال التنازل عنها.

ولعل الزعم بأن التطبيع يأتي في اطار المصالح الوطنية ليس إلا تبريرا لصفقة يتنافس عليها الحاكمون في الخرطوم (عسكريون ومدنيون) من جهة والفاعلون في المجتمع الدولي وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. فالبرهان ينوى الاحتفاظ بالسلطة والانقلاب على شركائه المدنيين بعد أن قضى منهم وطرا وبعد أن بقي القليل لأجل تبادل رئاسة مجلس السيادة مع شركائه. ومكافأة التطبيع مع إسرائيل للبرهان دعما دوليا كبيرا يمكنه من الاحتفاظ بالسلطة وقلب ظهر المجن للمدنيين في تحالف قوى الحرية والتغيير وحكومتهم برئاسة عبد الله حمدوك.

إذن فإن “عوائد التطبيع” تصبح في صالح التمكين لحكام لم يأتوا بانتخابات ولا يتوقع أن تأتي بهم انتخابات حرة ونزيهة، فلعبة التطبيع استمرار للعبة الطبقة السياسية الحاكمة التي لا يبدو انها تقف عند الاستهانة بمقدرات الوطن فحسب بل تعدى ذلك للاستهتار بالأرض والمبادئ. فالقضية المحزنة ليس السعر المتدني الذي طالبوا به فحسب بل لأن كل مبدأ أو موقف أضحى قابل للمساومة، وذهبت لاءات الخرطوم التي ظلت صامدة منذ العام 1967 ادراج الرياح.

وبعض الذين يصفقون للتطبيع ينطلقون من عداء للعروبة لأجل خروج السودان من الدول العربية، بينما يصفق له البعض الأخر من منطلقات يزعمون أنها ديمقراطية ليبرالية لأجل خروج السودان من قائمة الدولة الراعية للإرهاب علما بأن كل التجارب الديمقراطية العربية النزيهة أثبتت وقوف الشعوب ضد التطبيع وتدرك امريكا وإسرائيل ان الديمقراطيات الحقة لن تقود للتطبيع والخنوع ولذلك فهما جاهزتين لدعم الدكتاتوريات المتسلطة على شعوبها.

والسعر الذي طالب به حكام الخرطوم سواء نقدا أو عينا يبدو بخسا إذا ما قورن بما حصل عليه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عندما باع مصر ضمن اتفاقية كامب ديفيد. ومع ذلك اعترف السادات بعدم إلتزام الاسرائيليين بتعهداتهم، فبعد محادثات ثنائية أجراها مع مناحم بيغين أصيب بسبب المراوغة الاسرائيلية بإجهاد شديد وقال حينما صعد إلى الطائرة في رحلة العودة “كل ما اتفق معاهم على حاجة يرجعوا فيها”. لكن مصر كسبت مساعدات من واشنطن جراء ذلك البيع إذ تتلقى القاهرة سنويا منذ نحو أكثر من 40 عاما على مساعدات عسكرية أمريكية قدرها 1.3 مليار دولار ومساعدات اقتصادية تبلغ 250 مليون دولار.

ومع كل ذلك على الخرطوم أن تستعد لغسل ملابس نتنياهو المتسخة حينما يزورها وافعا لواء النصر؛ فقد نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أمريكيين أن نتنياهو اعتاد جلب ملابسه المتسخة بحقائب من واشنطن ليقوم بغسلها وكيها ببيت ضيافة الرؤساء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى