آراء

صلاح جلال يكتب: “سلام جوبا” الفرص والتحديات

السلام المشروع القومى الأول، إختيار جوبا كمنبر للسلام والوساطة قبل عام، إعتبره البعض أحد سهام منتصف الليل من قوس أعمى ، ولكنه أصاب كبد الحقيقة الشعب السودانى يستحق الفرح وهو أمام فرصة تاريخية ويستحق التفائل أن غداً أفضل ، الحياة علمتنا أن أمام كل فرصة تحدى، يحتاج لجهد وتدبير لتحقيقه ، هناك تيار سياسي وإجتماعى فى البلاد أصبح ضد الأمل والتفائل ، لايدرك أن فى قلب كل شتاء ربيع ينتظر ، وعقب كل صباح ممطر شمس تشرق ، وأن كل بُرعمه مشروع زهرة تتفتح ، قول الحكماء (إذا كانت كأسك مملؤة للنصف ،فلا تصغى لمن يحرضك بأن نصف كأسك فارغ) ، الحُلم من أجل السلام لايعنى الغفلة عن التحديات، بل يحرض على مزيد من العمل والإبداع لسد الفجوات ،وتحسين الصياغات وإحكام القوانين، حتى تكتمل لوحة السلام فى كامل البهاء والمهابة.

المتشائمون يملؤن الدنيا ضجيجاً ،بالقول لقد فشلت إتفاقية أديس أبابا ،وفشلت نيفاشا فى الحفاظ على الوحدة، وفشلت أبوجا والدوحة ، لماذا لا تنجح إتفاقية سلام جوبا ؟؟ طالما أن كل تجربة فاشلة فانوس يضئ لنجاح التجربة التى تليها ، (إذا كان عدد مرات سقوط طفل من ظهر دراجته هو الفشل ،لما إعتلى طفل ظهر دراجة !!!!!) ، ولنا فى توماس مديسون مكتشف المصباح الكهربائي أسوة حسنة فقد فشل تسعة وتسعون مرة، ونجح عند المائة وصُنف من أعظم المكتشفون الأمريكان الذين غيروا وجه الحياة ، محاولات السلام تستحق الإحتفاء ألف مرة من إستمرار الحروب وإنتظار الكمال ،هناك فرق كبير بين الوعى والتشائم المقعد عن الحياة القائمة على الصراع المستمر ، لقد أهدتنا جوبا نافورة من الألوان تستحق الفرح والتفائل .

إتفاق سلام جوبا فى مقدمة فرصه ، فتح الإنسداد الذى تعانى منه العملية السياسية فى الفترة الإنتقالية، من حيث ضعف كفاءة مجلس الوزراء الراهن ،وضعف قدرته على الإنجاز ومواجهة التحديات ، لحقن هذا الواقع بدماء جديدة من ذوى الخبرات والقدرات والتجارب النضالية والسياسية الممتدة ، لتطعيم الهواة أصحاب الأمانى العِراض والنوايا الطيبة ببعض المحترفين ، كما أن إتفاق السلام يحسن العلاقة بين مكونات العملية السياسية الإنتقالية، من عسكريين ومدنيين ويحفزهم للعمل المشترك بديل لعدم الثقة والتضاد والتنافر الذى أضعف الأداء الإنتقالى، ويعيد تأهيل الحاضنة السياسية (الحرية والتغيير )، لتصبح أكثر كفاءة من حيث التنظيم وفاعلية القرار فقد صارت أثر بعد عين ، كما يساعد على الإنفتاح على بقية قوى الثورة والمصالحة الوطنية المجتمعية، لتوسيع القاعدة المساندة للنظام الإنتقالى، بديل للعزل والإنتقائية الراهنة .

الفرصة الرابعة للسلام، الزخم والتأييد الذى وجده إتفاق جوبا على المستويين الإقليمى والدولى، من أعلى المنابر ممثلة فى الإتحاد الإفريقى، والجامعة العربية، والإتحاد الأوربى ،والأمم المتحدة على مستوى أمينها العام، ودول (الترويكا) ، بالإضافة لكل دول جوار السودان ، هذا زخم نادر الحدوث فى التاريخ ،يقطع الطريق تماماً أمام الإستمرار أو العودة لهلوسة الحرب ، كما يفتح الباب ويوفر فرصة للسودان من أجل تحقيق السلام وتوفير أسباب الإستقرار والتقدم، من خلال هذه النوايا الإقليمية والدولية الحسنة ،التى يجب ان تواجه بالكفاءة والفاعلية والبرامج الشاملة من أجل السلام والإستقرار ، الأسرة الدولية ترمى بطوق النجاة للسودان ، هل سيتعلق بالطوق أم يهدر الفرصة المتاحة ؟؟؟سانحة لعودة السودان لمحيطه الإقليمى والدولى جاهز للعمل وتبادل المنافع بعد إنقطاع وعُزلة دامت ثلاثين عاماً، خسرنا فيها فرصاً كبيرة للتقدم والنموا والإزدهار .

لقد توقفت الحرب عملياً قبل سقوط النظام المباد ، لأكثر من عام وبردت مواسير البنادق وخرج الجنود من الخنادق ، من خلال الضغوط الإقليمية والدولية ، ومن واقع إرهاق الدولة والمجتمعات المحلية من الحرب ( War Fatigue ) ، التى جعلت وقف إطلاق النار المنفرد عملية روتينية متكررة بين أطراف الصراع، إتفاق السلام بجوبا يفتح صفحة جديدة ،ويتيح فرصة لمعالجة الأسباب الجذرية للحروب وعنوانها الرئيسى (المواطنة المتساوية فى الحقوق والواجبات دون تمييز باللون أو الدين أو الجهة) ، الإحتفال بالسلام إحتفال بالتنوع وإعادة بناء الدولة ، وإعتمادها فى السياسات والبرامج والأهداف على مستوى المركز والأقاليم ، كما ان إتفاق جوبا فرصة تضعنا وجهاً لوجه أمام إفرازات الحرب وآثارها ، من تنظيمات شعبية مسلحة تنتظر الدمج والتسريح وإعادة التأهيل ،ونازحين ولاجئين ينتظرون العودة والتعويض، ونسيج إجتماعى متهتك ينتظر الرتق بالعدالة الإنتقالية ، وغياب طويل للعدالة الجنائية وإنصاف الضحايا، الإتفاق يضع الشعب السودانى على المحك العملى لإحتواء هذه الآثار السالبة ودفع الثمن، بالجهد والمال والفكر لمعالجتها ، إتفاق السلام هو البداية الصحيحة لمعركة البناء، وتأسيس المستقبل المنتظر للسودان .

قلنا بإيجاز عن الفرص التى وفرها إتفاق السلام ، لابد من مواجهة التحديات أمام إتفاق السلام وحصرها ، فى مقدمتها النقص من حيث الجهات المحاربة، ليكون الإتفاق شاملاً لايترك أحد فى ميدان الحروب ، ليست المعنى( الحلو وعبدالواحد) فقط ، بل يشمل آخرين منهم الموقعين على إتفاقات السلام السابقة، وضرورة الإستمرار فى إحترام تلك الإتفاقات وترتيباتها الأمنية مثال (إتفاق الدوحة وأطرافة وإتفاق الشرق وأطرافة )، وكذلك هناك تحديات وثغرات سياسية ودستورية وقانونية فى الإتفاق الراهن، على سبيل المثال تمديد الفترة الإنتقالية وكيفية تقنينها فى الوثيقة الدستورية ، وقضية تضمين الإتفاقية فى الدستور وهناك إتفاقيات قادمة لم توقع بعد ، وبعض الفقرات فى الترتيبات الأمنية، وكذلك تحدى توفير المال لتغيير حياة الناس (كيف سنوفر ٢٠ مليار دولار خلال ثلاثة أعوام فى بلد مفلس ؟؟) لمناطق الحروب خاصة النازحين واللاجئين وبرامج العودة والعدالة والإستقرار ،وما يرتبط بها من تعقيدات متعلقة بالسلامة والأرض وتعقيدات قضايا العدالة الإنتقالية.

تحدى قسمة السلطة سيكون من أيسر التحديات أمام إتفاق السلام ، رغم حديث المتشائمين عن المحاصصات وهى لاتعيب الإتفاق بل جزء منه (قسمة السلطة) ، التحدى سيكون فى إسناد المهام والحقائب ، وما يحتاجه من حساسية سياسية وإجتماعية وجهوية ،فى محاولة لإشراك أوسع قاعدة إجتماعية ممكنة ، مهما كانت قسمة السلطة فهى لن تكفى جميع المتطلعين ، لابد من الرضا بالتمثيل العادل والإنابة ، كما هناك تحدى تماسك التنظيمات الموقعة على إتفاق السلام أمام ثقل السلطة، فى خلق الإنقسامات ومساعدة التشظى، والطموحات الفردية، وتحدى إختيار الكفاءات لمناصب السلطة المختلفة ، بما يراعى التجربة والمؤهلات والتوازنات .

خاتمة:
إتفاق السلام بفرصه وتحدياته ، مناسبة تستحق الإحتفاء والتفائل ، والإستعداد الإيجابى لمعالجة جوانب القصور أثناء التنفيذ ،دائماً (النظرية خضراء والتنفيذ رمادى )، لابد من التحلى بالواقعية والإنضباط فى التنفيذ ،والصبر على الحوار المستمر وتوليد المعالجات الضرورية ، فالسلام إجراء (Process)، وليست حفلة توقيع (Event ) ، هذا الوعى بالتحديات يحصن السلام من الإنزلاق للمواجهات مرة أخرى.

يجب على الخرطوم الآن أن تتبرج للسلام ،حيث لا تنفع الحِشمة أو الحجاب وأنصاف الإجابات ،أتطلع أن تستعد كل الأطراف من قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدنى، ولجان مقاومة،و التنظيمات الشبابية والنسائية للإحتفال بالسلام فى المركز والأقاليم ، فى إستقبال ضخم يليق بطموحاتنا وأحلامنا ومشروعنا القومى الأول ، إستقبال قيادات إتفاق جوبا عند عودتهم للخرطوم، إستقبال يوضح حجم تصميم الشعب على السلام والإستقرار والمصالحة المجتمعية الشاملة ،ودعوة معلنة للبقية يا بنى إركب معنا ،السلام أو الطوفان .
شكراً جوبا، شكراً الرئيس سلفاكير ، شكراً توت، شكراً مطوك
متفائل وغداً أفضل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى