آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين .. “إثيوبيا” طوفان الأزمة الداخلية

تنامي الاضطرابات الإثيوبية الداخلية لا يهدد الاستقرار الداخلي فحسب؛ وإنما يهدد باشعال القرن الإفريقي المحاذي لليمن الغارق في مستنقع التدخلات الخارجية، ويضم القرن الإفريقي جيبوتي والصومال وإريتريا بجانب إثيوبيا. حالة انقسام حادة في إثيوبيا، بعد عام على فوز رئيس الوزراء الشاب آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام. حيث يجد آبي نفسه واقعا بين سندان الأورومو ومطرقة التيقراي؛ إذ تتواصل أعمال العنف العرقي، في هذين الإقليمين المهمين والأخير يتحدّر منه آبي نفسه وهو أول رئيس وزراء من هذه العرقية، إلا أن معارضا له من نفس القومية يدعى جاوار محمد يرى أن آبي لا يدافع عن مصالحهم كما ينبغي.
لقد كانت إثيوبيا في العام 2000 إحدى أكثر بلدان العالم فقرًا وتهددها المجاعة، إلا أنها تمكنت من القفز خطوات كبيرة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية وباتت تعتبر واحدة من الدول الخمسة الأسرع نموًا في العالم، ومن أكثر الأماكن استقرارًا في إفريقيا في منطقة مفعمة بالصراعات وعدم الاستقرار.
بيد أن النزاع في ذلك البلد بلغ مستويات جديدة الشهر الماضي عندما أقدم إقليم تيقراي على تنظيم اقتراع محلي، متجاهلا قرارا مركزيا بتأجيل جميع الانتخابات بسبب جائحة كورونا. بل أكثر من ذلك، حين أعتبر مسؤولو التيقراي آبي زعيما غير شرعي، حيث من المفترض أن تنقضي ولايته لو لا أن مددها البرلمان جرّاء الكورونا. ولم تعترف الحكومة المركزية، بانتخابات التيقراي، وأعلن المجلس الفيدرالي الإثيوبي الغرفة الثانية للبرلمان، عددا من الإجراءات العقابية تجاه الإقليم من بينها وقف التمويل الصادر من الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا. وبهذا استبدت بالبلاد أزمة دستورية هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، إذ لم يحدث أن أجرى أحد الأقاليم انتخابات منفصلة عن الانتخابات العامة التي تجرى كل 5 أعوام.
تولي آبي منصبه عقب استقالة مفاجئة قدَّمها سلفه هايلي مريام ديسالين علي إثر اضطربات كبيرة شهدتها إثيوبيا تسبب فيها شعب الأورومو ضد ما يعتبره تركيزا للسلطة في يد الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية. ورغم أن المنظمة الديمقراطية لشعوب أورومو جزء من هذه الجبهة التي تمثل ائتلافا حزبيا حاكما يضم كذلك حركة أمهرة الوطنية الديمقراطية وحركة شعب جنوب أثيوبيا الديمقراطية وجبهة تحرير شعب تيقراي. إلا أن الأورومو طالبوا بزيادة حقوق إقليمهم وإزالة التهميش الاقتصادي الذي يعاني.
إن تضاريس المشهد السياسي الإثيوبي والتعقيد الذي يسمُه لم تجدِ معه الإصلاحات الداخلية التي أجراها آبي فور تعيينه رئيسا للوزراء وتضمنت إعادة تنظيم مجلس وزرائه، وفصل مجموعة من الموظفين الحكوميين المثيرين للجدل وأعتبرت جبهة تحرير تيقراي خطط آبي الإصلاحية تستهدف قياداتها ورموزها. كذلك قام آبي برفع الحظر عن مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى، وأطلق سراح الآلاف من السجناء السياسيين.
في المقابل أخذ علي آبي تبنيه لاجراءات قمعية عنيفة؛ ففي يونيو الماضي قُتل مغنيا شعبيا ينتمي لعرقية الأورومو بطلق ناري الأمر الذي صبّ زيتا على فتيل الاضطرابات، فتجاوز عدد القتلى أكثر من 160 شخصا في إقليم الأورومو والعاصمة أديس أبابا. بينما اعتقل أكثر من 9 آلاف شخص بينهم قادة في المعارضة منهم جاوار محمد. ووُّجه انصارهما الغاضبين بقوات الأمن فقتل العديد من الأثيوبيين في 13 موقعا في أوروميا خلال بضعة أيام فقط في أغسطس، بحسب لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية.
ومع اشتداد الأزمة هرولت حكومة آبي غربا نحو السودان علها تجد مخرجا لأزمتها، رغم التوتر الحدودي بين البلدين وأزمة سد النهضة. فقد وصل الخرطوم أول الشهر الحالي وفد إثيوبي رفيع المستوى وضم الوفد قيادات عسكرية ودبلوماسية، أبرزها وزير الخارجية ورئيس الأركان الجيش الإثيوبي الفريق أول أدم محمد. بيد أن الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني ركّز على ضرورة ترسيم الحدود، والاتفاق على نشر قوات مشتركة من الجانبين، والتوصل إلى تفاهمات حول تعدادها ومهامها، وكذلك موعد نشرها. ورغم أن جذور الأزمة الحدودية بين السودان وإثيوبيا يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، لكن ما أثار حفيظة الخرطوم أعلان القنصل الإثيوبي بولاية القضارف السودانية المحاذية لإثيوبيا، عن أن اتفاق ترسيم الحدود يحتاج لمراجعة. ويعتقد السودانيون أن إثيوبيا تجد في الأراضي السودانية معبرا سهلا إذا ما فكرت في معالجة عسكرية لأزمة إقليم تيقراي، فمن الصعب القيام بذلك عبر الداخل الإثيوبي.
ويبقى السؤال إلى أي حد يمكن أن ينقذ النجاح الذي حققه آبي خارجيا من السقوط بسبب أزمته الداخلية بل إلى أي حد يمكنه استثمار ذلك في الحفاظ على وحدة واستقرار بلاده؟. وهناك ما يشير إلى أن القاهرة تخشى أن تطيح الأزمة الحالية في إثيوبيا بآبي إذ تعتبره الوحيد الذي يمكن العمل معه، وأن الإطاحة به تدخل إثيوبيا نفقاً مظلماً من عدم الاستقرار ولن يكون ذلك في مصلحة مصر، إذ سيحرص أي زعيم يخلف آبي على تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه المطالب المصرية بشأن سد النهضة، لحصد التأييد الشعبي وتلافي تقديم أي تنازلات. ويشارك مصر رؤيتها أطراف دولية على صلة بملف السد كالولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.
فضلا عن أن علاقات قوية تربط السودان بآبي أحمد، مما يجعل الجميع حالياً، حريصون على عدم إحداث أي تحرك جوهري ربما يؤثر سلباً على استقرار حكمه. كذلك إريتريا لها مصلحة في بقاء آبي الذي قام بإجراء مصالحة تاريخية مع أسمرا أدت لإنهاء الخلاف الحدودي بين البلدين، ووافق على التطبيق الكامل لاتفاق الوساطة الموقع في الجزائر العام 2000، والذي كان يرفض أسلافه تطبيقه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق