آراء

تحت الشمس | محمد خير عوض الله .. في وصف الأزمة!

تتداول المنتديات العامة، والملتقيات الخاصة، هذه الأيام، أسباب الأزمة الاقتصادية الماثلة، وإفرازاتها، وفرص الحل، مع استكشاف المستقبل السياسي لهذه البلاد، باعتبار أنّ النظام الحالي قد استنفد أغراضه، وأفرغ وسعه وجهده وطاقاته، ولم يبق سوى التغيير، والتغيير سنة طبيعية في حياة الأفراد والحكومات والشعوب. لقد أحدث انقسام المنظومة الحاكمة في ديسمبر 1999م، التصدع الأول، والأكبر في مسيرة الحكم الحالي، ثمّ جاءت اتفاقية السلام 2005م، التي ستؤرخ ــ بلا شك ــ للتحول الكبير الذي حدث وسيحدث في السودان في الفترة المقبلة.
نعم كانت الفرحة عارمة بإنجاز وتحقيق حلم أهل السودان الأكبر (إيقاف الحرب) وبالفعل تم تحقيق الحلم، لكن بواسطة (شراكة متضادة) تمت (هندستها) بواسطة الدول الغربية، وانتهت مهمة (الشركاء المتشاكسون) بإنجاز ضخم ومهم للدوائر الغربية، هو (انقسام السودان إلى دولتين) مهما كتب البعض عن استحالة أن تسعى دول متقدمة لتحقيق هذه النتيجة. وقد يجد البعض التبرير الواقعي لهذه النتيجة، ولسنا هنا في وارد التقييم أو التقويم، لكننا بصدد استقصاء الأزمة الاقتصادية والسياسية الحالية، ومحاولة تفسير أسبابها، ولن يتم ذلك دون الرجوع إلى السيناريو الأصل! بعد الانقسام الأكبر في المنظومة الحاكمة ديسمبر 1999م، جاءت المحطة الأهم في 2005م، التي أرست منهج الإدارة بالطوفان والذوبان وتوسيع تمثيل الطيف المتخاصم في مؤسسات الحكم، لتحقيق النتيجة الكبرى (تفكيك مركز القوة، تشتيت الفكرة، انعدام الرؤية، إضعاف، وشل الإرادة) وهذا ما هو ماثل اليوم بدرجة كبيرة!! في مسألة (تفكيك مركز القوة) لا يحتاج المراقب لبرهان على ما تم، فالنواة الأصل، دائرة الولاء والتخطيط والتحكم، (الحركة الإسلامية) تكاد تساوي صفراً كبيراً في المشهد اليوم، وحزبها (المؤتمر الوطني) يكاد يكون قد فرغ من محتواه تماماً، وتحول إلى “ديكور” ومسرح للعرض والإخراج ! أما (تشتيت الفكرة وانعدام الرؤية)، يمكنك مراجعة أرشيف الأداء لعدة أعوام، لا تكاد تجد نشاطاً للجهاز السياسي أو التشريعي أو التنفيذي، يعبر عن طموح، أو فكر، أو تخطيط، وهو أمر متصل بالنتيجة الأخيرة (شل الإرادة).. لقد حدث ما يشبه الشلل في (جهاز التفكير) الحاكم، وهذه نتيجة طبيعية لحزب (ديكور) و(قيادات ضعيفة) و(طيف تنفيذي متباين) و(تفكير ضحل)! الأزمة الحالية لا يمكن أن تكون مع وجود (حزب قوي) و(مؤسسية فعالة) و(قيادات قوية) و(تفكير واع) و(جهاز تنفيذي حاضر وفعال) (متوثب وليس متثائباً).. لا يمكن أن تكون الأزمة الحالية لدولة فيها (تخطيط مدروس) و(تنفيذ دقيق) و(مؤسسات حكم حاسمة حازمة) و(مشروعات إنتاج متوسعة وناجحة)! الأزمة نتيجة طبيعية لنظام حكم تضعضع جسده المترهل، ونخر السوس عظمه!
لذلك، يجب قراءة الأزمة في شكلها الكلي، إن كنّا نريد التشخيص الصحيح، بعيداً عن النفاق وتلوين الأشياء بغير لونها الحقيقي. إن (تفكيك مركز القوة) قد حدث فعلاً، كما سبقت الإشارة، حدث الانقسام الأكبر (وطني / شعبي) ثم توالت الانقسامات (السلام العادل ــ الطيب مصطفى) (العدالة ــ مكي علي بلايل) (العدالة ــ أمين بناني) (الإصلاح الآن ــ د.غازي صلاح الدين) (الحركة الوطنية للتغيير ــ بروفيسور حسن مكي وبروفيسور التجاني عبد القادر ود. محمد محجوب هارون ..الخ) وأضعاف هؤلاء يمكن أن نطلق عليهم (قيادات في الرصيف).. وتحول (مركز القوة) في المنظومة الحاكمة إلى (متاهة) ومنطقة يلعب فيها السراب، حتى إنك تحتار، بين مكذب ومصدق، حين تطالع أو تسمع ما تقوله قيادات من (أهل الجلد والرأس) ، وضمن مراحل تفكيك هذه الحقبة، دخلنا حالياً مرحلة اعتقالات ومحاكمات، ولا ندري عن شكل المرحلة التالية، ولكن قراءة المؤشر لا تحتاج لحصافة!
بالتأكيد، هناك إيجابيات وهناك آثار سالبة، لكن من فوائد هذا التفكيك، الممرحل، أنه فك الارتباط الوثيق بين (مصير البلد) و(مصير الحزب) رغم حديث البعض عن (الدولة العميقة). نختصر في إشارات عجلى، لنقول:  أولاً لابد أن ندرك أن الحكومة الحالية هي (توليفة ضعيفة) من خليط متضاد (المؤتمر الوطني ــ التجمع الوطني الديمقراطي ــ أحزاب الفكة) إذا تمعنت ستجد رئيس التجمع متواجد بشكل غير مباشر في القصر الجمهوري ووزارة الاتصالات وغيرها، أما الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي فهو يشغل حالياً، منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار، والناطق الرسمي للتجمع يشغل حالياً وزير التجارة، وهكذا، ليس من عاقل يرفض الوئام والالتئام، ولكننا ندرك أن (توليفة الخصوم) لن تنجز ما يطمح إليه الشعب، وستكون مجرد اقتسام مناصب وجلب متاعب ومصاعب. ثانياً، لابد أن ندرك، أنّ إضعاف الجهاز التشريعي (البرلمان)، يعني إسكات صوت الرقيب، وبالتالي (تمرير الطامات) وهو ما ينتهي بأي نظام إلى (السقوط الشنيع)..! ثالثاً لابد أن ندرك، أن تفكيك الجهاز السياسي، أو إضعافه، ليكون بمثابة ديكور أو ملتقى لإخراج القرارات، سيجعله أخصب مرتع للنفعيين والمتسلقين والمنافقين(ناس كلو تمام يا ريس!!)، وسيتحول الآلاف من أهل الصدق والثبات والمبادئ والولاء الحقيقي، إلى كتل من الساخطين والغاضبين، ويتحول برنامج الدولة إلى عمل روتيني رتيب، بائس وفقير، وبالتالي ينحسر الإنتاج، وينكمش الاقتصاد، وهذا ما يحدث حالياً، ومن هنا تجيء الخشية من مغبة مثل هذا الوضع، سيما إذا انعدمت ضروريات الحياة الأساسية، وكل ذلك ــ كما هو معروف ــ يوفر أسباب السقوط والانهيار، لأي نظام حكم، حين (ينكشف ظهره من أهل الولاء) ويعتمد في بقائه على (حراسة الأجهزة) كما حدث لأنظمة مجاورة. وبالمقابل، يمكن الاعتبار بما حدث في تركيا، حين دحر المواطنون العزل (بقوة الولاء) حركة التغيير التي أوشكت على استلام مقاليد الحكم. إنّ المراقب لن تعوزه المقارنة بين عبارات النعي التي جهر بها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السيد الشريف زين العابدين حين نعى الحكومة من داخل البرلمان، وبين عبارات النعي التي جهر بها وزير الخارجية المقال بروفيسور غندور وهو يدق ناقوس الخطر لحكومة لا تستطيع أن تفي برواتب بعثاتها الخارجية، وبين عبارات النعي التي جهر بها السيد النائب الأول رئيس الوزراء وهو يعبر عن ما وصلت إليه الأزمة المالية والاقتصادية، ومن داخل ذات البرلمان! هذه أعراض الأزمة، وتبقى العلة دائماً في (سوء الإدارة) و (تخفيض/ تعطيل الإنتاج).
الخلاصة: لن تعالج الأزمة بإضعاف أجهزة الحكم، وإدارة البلد بتوليفة ضعيفة، متثائبة، برنامجها اليومي يدور في (الأسفار والاستقبالات واللقاءات) وافتتاحات وضيعة متواضعة، ثم ينتظرون الفرج بوصول الوديعة!!

 

سودان برس

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق