آراء

الصحافة.. البكاء على أطلال الوطن المنكوب لا يجدي!!

كتب: هاشم عوض

أثار الخبر الذي أوردته (صحيفة الانتباهة) قبل أيام، وفحواه أن سيدة أعمال أفريقية وصلت إلى الخرطوم لتصوير أفلام إباحية، ردود أفعال واسعة. انقسم الناس حوله، منهم من يرى أنه ما كان ينبغي نشره لما فيه من مساس بسمعة الوطن، وصبوا جام غضبهم على الصحيفة مطالبين بإغلاقها. وآخرون أيدوا نشره وساندوا الصحيفة في ما ذهبت إليه.
عادة بعد نشر مثل هذه الأخبار، يتهافت القراء على شراء الصحيفة وهم يمنون النفس بالحصول على المزيد من المعلومات. كما تتابع إدارة الصحيفة أصداء خبرها وردود أفعاله. ولكن الصحيفة فاجأت الجميع بأن أوردت توضيحا، أكدت فيه صحة خبرها وبررت نشرها له، بأنه يأتي من باب حرصها على قيم المجتمع، وأنها أرادت التنبيه لمكامن الخطر.
صحيفة (الانتباهة)، ظلت تتربع على عرش صدارة الصحف السياسية لسنوات خلت، وفقا للتقرير السنوي الذي يصدره المجلس القومي للصحافة والمطبوعات. هذه الصدارة اعتقد أنها لم تأت صدفة، إنما كانت نتاج جهد وتخطيط، قد يختلف الناس حول خطها التحريري، ولكن لا أحد ينكر أنها الصحيفة الأولى بلا منازع.
سبق للصحيفة أن أوردت قبل فترة وجيزة خبر عربات السيادي، الذي أثار ضجة هو الآخر، ولم تتعرض لأي إجراء قانوني أو مساءلة من أية جهة، وهذا دليل على سلامة موقفها وصحته.
صحيفة (الانتباهة)، ليست في حاجة إلى انتشار، فهي لا تعاني أصلا من كساد مثل الصحف الأخرى، مع العلم أن الصحف تغيرت أوضاعها إلى الأسوأ، ولم تعد بذاك التأثير السابق، وهجرها القراء إلى غير رجعة، ومن قبلهم هجرها معظم صحافييها إلى المواقع الإسفيرية، ولم يتبق إلا قلة منهم يعملون في ظروف سيئة وبالغة التعقيد. انخفض توزيع الصحف كثيرا وقل المطبوع منها لارتفاع تكاليف الطباعة وندرة الإعلان. كما أن السعر الذي تباع به الصحيفة قليل جدا ولا يغطي تكلفة طباعتها. وفي سبيل التشبث بالبقاء والاستمرارية لا تستغربوا إن جاءتكم الصحف بكل غريب ووحشي.
مثل هذه الأخبار، كان في السابق مكانها الصحف الاجتماعية، ونادرا ما تجد مانشيت لخبر اجتماعي أو رياضي في صحيفة سياسية، ولكن كسرت هذه القاعدة منذ زمن طويل نتيجة الظروف التي ذكرناها آنفا، والتي كان لها تأثيرها البالغ وألقت بظلالها السالبة على الصحف وجعلتها تتنازل عن الكثير. لا توجد لدينا الآن صحيفة فنية متخصصة ولا صحيفة اقتصادية. وتوجد صحيفة اجتماعية واحدة هي صحيفة (الدار)، وهي الصحيغة الوحيدة التي صمدت حتى الآن. الصحف الرياضية توقف معظمها رغم شعبيتها ولم يصمد منها إلا القليل. وتقلص عدد صفحات الصحف من ست عشرة صفحة إلى اثنتي عشرة صفحة فقط، تستوعب المادة السياسية والفنية والرياضية والإعلان- إن وجد- وتظل الصحف في سباق وبحث عن ما يكفل لها البقاء والاستمرارية في ظل الراهن السيئ، لذلك يا سادة رفقا بالصحف وأهلها.
تختلف تقديرات رؤساء التحربر، قد تجد رئيس تحرير لا يسمح بنشر مثل هذه الأخبار، رغم اكتمال عناصر نشرها، وتقديره في ذلك لحساسيتها في مجتمع محافظ له خصوصيته. يعتبر الحديث فيه عن الجنس من الأمور المسكوت عنها. ولكن رئيس تحرير صحيفة (الانتباهة) الزميل يوسف التاي له رؤيته ومنطقه في ذلك، نشر الخبر وهو يثق في محررته الزميلة هاجر سليمان، ويعرف دقة مصادرها. ظلت هاجر من الصحافيات المميزات واشتهرت بتغطية أخبار الجريمة لسنوات طويلة وتميزت فيها بشكل ملحوظ.
وفي ثنايا الخبر، أوردت الصحيفة تفاصيل لمبالغ مالية ضخمة وبالدولار كمان، ولدقائق معدودات، كلما زادت ترتفع معها قيمة المبلغ.
إذن السيدة وصلت بالفعل وفقا لما ذكرت الصحيفة، ولم يبق إلا أن تشرع في تصوير أفلامها الإباحية. الأمر ليس بهذه البساطة أن أردت تصوير فيلم ما، لا شك إنك تحتاج إلى الكثير من الإجراءات المعقدة والتصديقات والأذونات من جهات عديدة، أمن وشرطة ووزارات ذات صلة وغيرها. وتخضع المادة التي تريد تصويرها لمراجعة وتمحيص ومتابعة، ويمتد الأمر أيضا إلى الكاميرات، وعليك إبراز مستنداتك أينما ذهبت للتصوير. هذا في الوضع العادي. فما بالك إن كان الأمر تصوير أفلام إباحية، مع وضعنا في الاعتبار أن تصويرها كان سيكون في منتهى السرية.
الأمر يا سادة في غاية الخطورة، ويستلزم الضجة التي أثيرت حوله، ويستوجب أن تتعامل معه جهات الاختصاص بكل حزم وشدة. السيدة موجودة والصحيفة موجودة وجهات الاختصاص موجودة. ففيم الضجة؟!.
بحمد الله مجتمعنا لايزال بخير، لا يوجد سوداني على وجه الأرض يرضى ذلك لسودانية مهما كانت علاقته بها. لذلك ضج الناس ولم تنوقف ثورتهم وغضبهم، ولو وجدوا طريقا إلى تلك السيدة، لما خرجت سالمة من السودان.
مع الوضع الماثل الآن، نحتاج إلى إعلام فاعل ومسؤول، بعيدا عن التحيز لجهة، أو الانتماء الضيق، أو لشئ في نفس يعقوب، أن أردنا انتصارا وعبورا. أو كما قال حمدوك!!.
ود عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى