آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين .. العسكرة الاقتصادية آخر الحلول اليائسة

بعد أن ضاقت حلقات الوضع المعيشي واستحكمت، برز رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك قبل نحو أسبوعين في ثياب المتنمرين، ملقيا باللائمة على الجيش في مأزق البلاد الاقتصادي، وحصر حمدوك المشكلة في أن 82% من الإيرادات العامة ليست تحت سيطرة وزارة المالية، وهي إيرادات – حسب زعمه – تستحوذ عليها شركات تابعة للجيش، وقال إن استعادة هذه الشركات يحظى بأولوية قصوى لدى حكومته.
لكن الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي يمثل رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش لم يكن صيدا سهلا، ورد بسرعة موجها انتقادات عنيفة لحمدوك وحكومته، متهما إياه بترويج الأكاذيب، قائلا بأن هناك جهات تعمل على إحداث قطيعة وجفوة بين الجيش والشعب، وتعليق إخفاقاتها الاقتصادية على شماعة شركات واستثمارات الجيش، من خلال ترويجها لبعض الأكاذيب حول هذه الشركات واستحواذها على مفاصل الاقتصاد.
وواصل البرهان هجمته المرتدة على حمدوك، مؤكدا أن الثورة لم تلب طموحات الشعب، ولم يحدث أي تغيير فعلي، بل إن الوضع أصبح أسوأ، وذهب بعيدا عندما طلب تفويضا شعبيا جديدا للجيش لتعديل المسار.
المدهش أن حمدوك وحكومته استبقوا التفويض الشعبي للعسكريين، ليفوضوا هم بأنفسهم الجيش، ليدخل الاقتصاد السوداني عهد العسكرة الاقتصادية، وهكذا غدا العسكريون المتهمون بالهيمنة على 82 ‎%‎ من الاقتصاد حراساً للاقتصاد بطلب من حمدوك نفسه.
فقد قررت حكومة حمدوك المضطربة فرض حالة الطوارئ الاقتصادية، بعد تدهور حاد لم يسبق له مثيل للجنيه السوداني، بعد أسبوع من غضبة حمدوك، حيث دفع بعدد من الوزراء المعنيين لعقد مؤتمر صحفي أمس الأول أعلنوا فيه سن قوانين رادعة لتجارة العملة، وإنشاء قوة مشتركة تشمل الشرطة والجيش والأمن والمخابرات والدعم السريع، لتنفيذ قانون الطوارئ الاقتصادية.
واعتبرت وزيرة المالية المكلفة أن ما يحدث في أسواق العملات عبارة عن عمل تخريبي ممنهج، لتخريب الاقتصاد وخنق الحكومة الانتقالية، وسجل الدولار مقابل العملة الوطنية نحو 275 جنيها، بينما يحدد البنك المركزي السعر الرسمي بـ(55) جنيها.
وهذا ما دعا كبير الباحثين الأمريكيين في المجلس الأطلنطي والمهتم بالملف السوداني كاميرون هدسون، للإعراب عن حزنه لما آل إليه الوضع الاقتصادي في السودان، وقال مغردا عقب إعلان الحكومة حالة الطوارئ الاقتصادية: “إن الغرب أنفق مليارات الدولارات من أجل إسقاط نظام عمر البشير، واليوم إذا ما سقطت الحكومة الانتقالية في السودان فإن الغرب لا يلومن إلا نفسه”.
ولعل ما تقوم به الحكومة من إجراءات عقيمة لمعالجة المشكل الاقتصادي يمثل محاولات يائسة للهروب إلى الأمام من الأسباب الحقيقية، وهي عدم قدرتها على تحفيز الإنتاج الذي يوفر العملات الصعبة من خلال عائدات التصدير، وبدلا من أن يحدثنا حمدوك عن شركات الجيش أو تجار العملة أو التخريب الممنهج للاقتصاد وغير ذلك من الحجج والاتهامات المعممة، كان عليه أن يطرح برنامجا وخطة اقتصادية متكاملة ذات أهداف قصيرة المدى ومتوسطة وطويلة، وهذا ما لم يقدم عليه، وقد انقضى أكثر من نصف فترته الانتقالية.
وزيرة المالية المكلفة أشارت إلى ضرورة توفير (800) مليون دولار لإحداث استقرار لسعر الصرف بطريقة غير مباشرة، لكنها لم توضح كيفية توفير هذا المبلغ المتواضع الهزيل، بالنظر إلى التنوع الكبير الذي تحظى به موارد البلاد فوق الأرض وتحتها، وهو ما فشلت حكومة حمدوك في استنهاضه.
لقد ابتدر حمدوك المعركة مع الجيش وحولها إلى العلن، واليوم يحاول الاختباء تحت عباءة العسكر، متهربا من مسؤولياته التنفيذية.
إن الفشل الاقتصادي الذي يطوق حكومة حمدوك تزامن معه فشل سياسي لا يراه من بعينه رمد، لقد أظهر حمدوك ضعفا بينا وحضورا سياسيا باهتا، فلم يكن على قدر مسؤوليات الفترة الانتقالية الجسيمة.
حمدوك اعترف في لقاء تلفزيوني أنه التقى قبل شهور رئيس حركة تحرير السودان المسلحة المتمردة على الدولة، وغير المعترفة حتى بأوضاع ما بعد سقوط النظام السياسي السابق بقيادة الرئيس عمر البشير، متنازلا عن صفته كرئيس وزراء بحجة أن السلام لا سقف له!، ومع ذلك لم يستجب رئيس الحركة لرجاءات حمدوك، ولم تستهوه دعوة مفاوضات البوفيه المفتوح، فقد عد ذلك اقتساما للسلطة وتهافتا عليها، وظل السؤال؛ هل من يُعّين في منصب يحق له التنازل عن صفته متى شاء دون تفويض له بذلك؟.
بكل تأكيد إن أي اتفاق أو تفاهم بناءً على صفة شخصية فهو غير ملزم للحكومة ومن يقف داعما لها، بيد أن الطرف الآخر إن لم يعترف بالصفة الرسمية فكيف يعترف بالصفة الشخصية ويثق في أي التزامات بناءً عليها؟ وعليه يصعب وصف ما يجري بغير الاستهتار بالقضايا الوطنية.
منذ نحو 3 أشهر وفي ظل الأزمات المحتدمة والمتلاحقة تسير حكومة حمدوك كالبطة العرجاء، بعد إجبار 7 من الوزراء المهمين على الاستقالة دون إيجاد بديل لهم، وعزا البعض تأخير تعيين البدلاء بسبب انتظار استيعاب الحركات المسلحة التي دخلت في مفاوضات مفتوحة متطاولة تدور حول اقتسام السلطة، ليس هذا فحسب فعدد الوزارات الحالية غير كاف لاستيعاب تلك الحركات بخيلها ورجلها؛ فسوف يتم استنساخ عدد آخر من الوزارات.
فما رشح من أنباء أن الوزارات المرشّحة لإعادة ترتيبها هي الطاقة والتعدين التي ستحّل محلها 3 وزارات لتصبح وزارات الطاقة، والتعدين، والنفط، كذلك فصل وزارة الثقافة عن الإعلام وتكوين وزارتين، وفصل الصناعة والتجارة، فكيف يمكن تخيل هذا النمط من التفكير السياسي في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية؟.
لقد غرقت حكومة البشير السابقة في هذا النوع من الفساد السياسي حتى إن النائب الأول السابق للبشير كان قد أشار إلى أن الكارثة الاقتصادية التي حلت بالاقتصاد السوداني سببها ما سماه بالبذخ السياسي، وانتقد الرجل ممارسات خاطئة في توظيف المال وضياعه في البذخ السياسي وتوسيع دوائر الحكومات الولائية وزيادة عدد المحليات، ووجه انتقادات مباشرة لمنسوبي حزبه بتسببهم في زيادة المنصرفات من خلال مطالباتهم بزيادة عدد المحليات وتوسيع دائرة الحكومات الولائية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى