آراء

أمواج ناعمة/ د. ياسر محجوب الحسين .. أخطر من “الفوضى الخلاقة”

الفوضى الخلاقة ظل مشروعاً أمريكياً لخدمة إسرائيل في المنطقة العربية، وقد انتهت صلاحيته أو أنها على وشك الانتهاء، وهو مشروع يمكّن لإعادة رسم خريطة المنطقة التي تسميها واشنطن بالشرق الأوسط حتى تدخل إسرائيل في إطارها.
ومنذ نحو أكثر من 15 عاماً، تبنت وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس مشروع الفوضى الخلاقة بمعية عدد كبير من الساسة الأمريكيين، وكان مشروعا يلائم هذه الحقبة المأزومة بالطغيان الأمريكي.
وقبل ما عرف بالربيع العربي كانت الافتراضات الأمريكية ترى أن عددا من الأنظمة الحليفة في المنطقة قوية جدا وعلى استعداد لنشر أجهزة أمنها لغرس الخوف واستخدام القوة إذا لزم الأمر، والجماهير التي تمثل المخزون الإستراتيجي لمضادات الهيمنة الأمريكية والتمدد الإسرائيلي خائفة وأملها ضئيل جدا في تحدي تلك الأنظمة، وقال دينيس روس أحد دهاقنة السياسة الخارجية الأمريكية حينها، إن الربيع العربي، “يحمل في طياته فرصاً هائلة ومخاطر كبيرة”، ولعل أصحاب الحس الوطني كانوا يدركون أن الفرص الهائلة لا تعني بأي حال نشر الديمقراطية والسلام، وإنما عنت المزيد من الاصطفاف لصالح المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.
لقد كان إسقاط النظام في العراق عام 2003، أكبر مفاصل التحولات التي يشهدها اليوم الوطن العربي، والتي مهدت للفوضى الخلاقة، لقد حوّل سقوط النظام العراقي استقرار المنطقة النسبي إلى حريق لا يبقي ولا يذر.
وبعدما أدى مشروع الفوضي كل أغراضه أو بعضها وحَرَث الأراضي الصالحة للتطبيع مع إسرائيل وحذّر وأنذر فها هي إبل التطبيع تعدو مسرعةً، يقول مثل سوداني شهير “دُق القُراف خلي الجمل يخاف” والقراف (بضم القاف وفتح الراء) قطعة من الجلد توضع أمام سرج الجمل يضرب عليها الراكب بالسوط لتحدث صوتاً يخيف الجمل فيسرع.
نظري التغريدة التي أطلقها عزمي بشارة معلقاً على اتفاقات التطبيع الأخيرة قائلا: “قلنا هذا تحالف وليس مجرد تطبيع، والآن نقول هذا عشق وغرام يصل حد الهيام وليس مجرد سلام، قلنا إن التحالف قاد إلى التطبيع وليس العكس، والآن نقول إن اللغة والمفردات تنم عن تصهين يتجاوز السياسة”، وعزمي من أهل فلسطين الأدرى بشعابها، وكان أبرز الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي الذين يمثلون المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، واتهمته دولة الاحتلال قبل أن يغادرها بتهمة “مساعدة العدو في زمن الحرب” وكذلك تهمة رفض يهودية الدولة عدة مرّات والتحريض على التظاهر خلال الانتفاضة الثانية.
بيد أن هناك إشكالية تستبد بالواقع العربي المأزوم، وهي حالة انهزامية أصبحت تتمدد وتتجذر منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية وأفول نجمها بشكل كلي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وإن نجح المجتهدون في تشخيص المحنة العربية إلا أنه لا أحد يعلم شيئاً عن العلاج، وقد تمدد اليأس ولم يبق للأمة إلا انتظار مهدياً مجدداً أو ربما ضاق الوقت فلم يعد يتسع إلا للصراع المرتقب بين نبي الله عيسى عليه السلام والمسيح الدجال ليملأ الأول الأرض عدلا بعد أن ملئت جوراً وظلماً. فهناك ينزل عند الضريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فذلك اليوم يوم الخلاص.
وإن كان الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا (1997–2000) قد أعلنها واضحة بأن: ‏”من يظن أننا ذهبنا إلى أفغانستان انتقاماً لأحداث 11 / 9 فليصحح خطأه، بل ذهبنا لقضية أخطر هي الإسلام، ولا نريد أن يبقى الإسلام مشروعاً طليقاً يقرر فيه المسلمون ما هو الإسلام، بل نحن من نُقرّر ما هو الإسلام”، فمن السهل عليهم أن يقرروا كيف تكون علاقة الدول العربية بإسرائيل، وليس خافياً أن الولايات المتحدة ترى من الناحية الإستراتيجية في إسرائيل وريثاً “شرعيا” لعرش الشرق الأوسط، فقد طُرح على المنطقة العربية العديد من المشروعات منذ مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط 1991، ولا تنتهي عند “الشرق أوسطية” التي طرحها الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز بعد اتفاقيات أوسلو 1993، ثم “السوق الشرق أوسطية”.
اليوم يكابد العالم العربي الغارق في مرحلة أفول لا تخفى على كل ذي بصيرة، من انهيار متتابع للدولة ومفهوم الانتماء الوطني، وبدون شكّ أن هناك مسؤولية عربية مباشرة وكبيرة في كلّ ما يحدث من تداعيات خطيرة حبلى بالمؤشرات التي تصبّ في عملية إعادة تشكيل المنطقة بينما تقف الحكومات وقفة الصامت المتفرّج.
وتشكّل هذه المنطقة إحدى المرايا العاكسة لعلاقات القوى والمتغيرات الهيكلية في النظام العالمي ككل، وهي في ذات الوقت مجتمع غني بتأثيرات عديدة، ومختلفة، حيث تقطنه الآن عدة جماعات مختلفة الأعراق، واللغات، والأعراف، ولكن بالرغم من ذلك يمثّل الإسلام السني واللغة العربية الظاهرتين الثقافيتين السائدتين فيه. فالشعوب العربية تعيش على مساحة واسعة، ويتمتعون بروابط تاريخية، وتقليدية موحدة، وبالرغم من أنهم ينتشرون في اثنين وعشرين قُطراً مختلفاً، لكنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ.
وبما أن الظروف الموضوعية للحالة العربية المأزومة لا تسعف لمدافعة قوية للتربص بالمنطقة؛ فإن المخرج لحين ميسرة يقتضي اتفاقاً عربياً حول إستراتيجية للتعاون إن لم يكن التحالف مع تركيا التي تحمل مشروعاً سُنياً حضارياً يعتبر العرب شركاء في المنطقة لا خصوماً، ويمكن أن يؤسس التاريخ المشترك لمستقبل يقف سداً منيعاً في وجه الصهينة، فالرهان على أنقرة سيكون حافزاً لإنهاء غياب الدور التركي وتقوقعه داخل الجغرافيا التركية الحالية.
ولقد سعت تركيا للتعاون مع قوى الثورة في سوريا للإطاحة بتنظيم داعش الصنيعة الأمريكية وكذلك النظام العلوي في دمشق حليف إسرائيل الخفي، ولعله ليس خافياً أن أنقرة تدعم كذلك إعطاء السنة في العراق حقوقهم ضمن دولة فدرالية يكون لهم فيها حق السيطرة على مناطقهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى