آراء

في بلد يموت مرضاها بسبب أوكسجين محمد حامد.. وداعا ودمت مع الخالدين

كتب: هاشم عوض

فجعنا عصر الأحد الماضي، بنبأ رحيل الفقيد المغفور له بإذن الله، العم محمد حامد أحمد خليفة، بعد معاناة مع المرض تحملها بصبر وثبات.
عمنا محمد حامد من خلفاء الطريقة الختمية، وهي معلومة قد تكون غائبة عن الكثيرين من الأهل، ذكرتها لهم أمس، عندما كلفتني الأسرة بالتحدث إنابة عن آل خليفة عن الرجل. وأفضت كثيرا عن مآثر الفقيد، رغم أن الحديث في مثل هذه المناسبات يلفه الحزن، وتتخلله الدموع، إلا أنني وجدت راحة فيه وانداحت الكلمات وتدفقت، رغم مرارة الفقد وفداحته.
كثيرا ما كنت أزوره في كوستي، وأجلس إليه بالساعات الطوال، ليحدثني عن أسرة آل خليفة، وسيرتهم العطرة وإرثهم الديني والمعرفي، الذي نهل منه الكثيرون، فهو خير من يحدثك عنهم وعن نسبهم وصلاتهم، يحفظ سيرهم فردا فردا. وبفقده أخشى أن يندثر هذا الإرث ويغيب عن أجيالنا الحالية، وهي في أمس الحاجة لتتبع نهج السابقين.
كان متجر الفقيد محمد حامد، في كوستي بحي أزهري، قبلة لليتامى والمساكين والمحتاجين، لا يبتغي من وراء ذلك ربحا كثيرا، يستقبل زبائنه ببشاشته المعهودة، يداعب هذا ويمزح مع ذاك.
محطات عديدة أوردتها أمس، وأنا أتحدث عنه تؤكد صبره وتحمله، أولاها فقده لابنه زين العابدين في سن مبكرة، وكان ساعده الأيمن في تجارته تلك، بل كان يحمل عنه العبء الأكبر فيها، يعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة. التقطت يد المنون ابنه في عمر مبكر، وترك من بعده زهرتين، تولاهما جدهما بعناية خاصة، وأوقف لهما دكانا، يعود ريعه لهما، رغم أن ابنه شرعا لا يرث، لأنه توفي قبل والده. وأوصى أولاده بعدم المساس بهذا الحق، بل وتشدد فيه.
يوم وفاة ابنه الزين- كما كان يناديه- كانت ملامح الحزن بادية عليه، وتملكته حالة من الصمت الرهيب، حتى خشينا عليه، ولكنه تجاوزها بفضل إيمانه ويقينه في وقت وجيز.
محطة أخرى، للدلالة على صبر الفقيد، رحلته الطويلة مع المرض، حيث أجرى العديد من العمليات. وعندما تزوره في المستشفى، تجده يحمل مسبحته المميزة تلك، وهو يهمهم بعبارات الحمد والثناء. تسأله الصحة كيف؟. بجيبك تمام الحمد لله.
وعندما اشتدت علته، وكثر تردده على الخرطوم، رأت الأسرة أن تكون قريبة إلى مراكز العلاج، فانتقلت إلى الخرطوم، واستقر به المقام في غرب أم درمان منطقة جادين شمال.
أقعده المرض عن ممارسة عمله التجاري، تركه على مضض، ولأنه صاحب عزيمة لا تلين، مجرد أن شعر بأن العافية بدأت تدب في الجسد المنهك، أصر على العودة مجددا لممارسة عمله التجاري مرة أخرى. وقد كان له ما أراد، بمساعدة الأخ العزيز عمر حسين، بدأ بكشك صغير أمام المنزل، وتطور الكشك وصار دكانا في فترة وجيزة، ظل به حتى وفاته- عليه رحمة الله- ولم يستجب لتحذيرات الأهل، بأن الصحة لا تساعد والسن لا تحتمل.
رحلته الأخيرة مع المرض، بدأت قبل يومين، عندما شعر بإعياء، ومكث بالمستشفى فترة قصيرة، أصر على مغادرتها بمجرد أن تحسنت حالته قليلا. إلا أن المرض عاوده مرة أخرى.
وفي عصر يوم الأحد الماضي، كتبت له معاناة جديدة، تنقل بين المستشفيات، في ظل وضع صحي مترد يعلمه الجميع. كان يحتاج فقط لأوكسجين، للأسف لم يجده في ثلاث مستشفيات تردد إليها. وفي طريقه إلى مستشفى بحري، كآخر طوق نجاة، لفظ أنفاسه وأسلم الروح لبارئها، وانهمرت دموع ابنه أمين وشقيقتيه إيمان وإلهام، بكوا جميعا أباهم وهم في طريقهم إلى المستشفى يا وزيرالصحة. وبكينا معهم سوء الحال والواقع المرير، وظلت عبارة (معليش ما عندنا أوكسجين) حاضرة، العبارة التي أوصدت الأبواب في وجوههم وقتلت فيهم الآمال.
ما أن هممت بفتح باب منزلنا بعد عناء يوم طويل، حتى فاجأني شقيقي العزيز، محمد بالنبأ الحزين، (محمد حامد مات). وتعذر عليه الاتصال بي، لأن هاتفي أيضا مات. من أين له بكهرباء يعيش بها يا وزير الكهرباء؟! . لا أدري إن كانت لدينا وزارة للكهرباء- عفوا نشدا للدقة فقط- ظل محرك العربة يعمل، وقفلت راجعا ومعي أفراد الأسرة، ونحن نسابق الريح، لنلقي النظرة الأخيرة على الفقيد. وقد كان، وصلنا إلى مقابر حمد النيل منتصف الليل، وأدركنا الصلاة على الجثمان وواريناه الثرى وفي القلب ألم وحسرة.
نسأل الله، أن يتغمده بواسع الرحمة والمغفرة؛ وأن يلزم أبناءه الصبر الجميل، وأن يجعل البركة فيهم، إنه السميع العليم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى