آراء

بعد أن تنفس دقلو.. هل يهل هلال؟!….كتب: هاشم عوض

اللهجة التي تحدث بها عبد الرحيم دقلو، أثناء زيارته لزعيم المحاميد موسى هلال، عقب إطلاق سراحه، وجدت الكثير من الاستهجان، ولا تزال اصداؤها ماثلة وستظل، بل يمكن أن تضيف إلى جراح الوطن المثقل أصلا بالجراح الكثير.
دقلو صب جام غضبه على جهات عدة، وقال إنها تريد تأجيج النيران بينهم وبين هلال. واستشهد بحديث ذلك المسؤول النافذ الذي قال: (من قال لكم إننا نريد حلا بين هلال وحميدتي؟. نحن نريد أن تظل الخلافات بين الرجلين). واستنكر حديث البعض ورفضهم لوجود قوات الدعم السريع داخل الخرطوم ومطالبتهم بإخراجها فورا. وتساءل: (دايرين نعرف السودان دا حق منو؟!).
دقلو من حقه أن يزور هلال، ويجلس إليه ويتفوه بما شاء من عبارات، علها تغير في الحال المائل شيئا. ولكننا بالقدر ذاته نسأله، من سجن موسى هلال؟ وأين كان دقلو عندما كان هلال صاحب سطوة ونفوذ وسيطرة في دارفور؟. هل يذكر دقلو تلك الزيارة التي قام بها مسؤول حكومي كبير لهلال في مستريحه؟. وهل يذكر ذلك الاستقبال العسكري الحاشد الذي كان حديث الناس لفترة؟. كأني بهلال أراد إرسال رسائل إلى الحكومة حينها، ووجدها فرصة مواتية له لاستعراض قواته العسكرية. ولكنه لاحقا دفع ثمنا باهظا لذلك، ولم يذق بعدها عافية، وبدأ في العد التنازلي والانحسار.
عندما أعلنت الحكومة حملتها لنزع السلاح في دارفور، استبقتها بمهلة، ولكنها لم تجد التجاوب المطلوب، الأمر الذي اضطرها إلى استخدام القوة. ونعلم أن هلال كان من أبرز الرافضين لتسليم أسلحته.
ظللنا نتابع سيلا من الاتهامات بين الرجلين. هلال قال إنه تعرض لمحاولة اغتيال، كان وراءها دقلو. بينما اتهم دقلو هلال بإيواء فصائل مسلحة من المعارضة التشادية وبعض قوات مناوي. وامتد اتهام هلال للحكومة وقال إنها تخلت عنه بعد أن بسط لها الأمن في دارفور، وجاءت بالدعم السريع، ووصفه بأنه جماعة مرتزقة جاءت من وراء الحدود.
وبلغت المواجهة ذروتها بينهما في ما عرف بعملية (الميرم تاجا) المشتركة بين الجيش والدعم السريع، وتمت السيطرة على مستريحه واعتقل هلال. وفشلت جميع الوساطات في إطلاق سراحه. وقال عنه حميدتي عقب اعتقاله ما لم يقله مالك في الخمر. ولازلت مستغربا في سر هذا التحول المفاجئ نحو هلال. إنها السياسة لا تركن إلى حال. أصبح عدو الأمس اليوم صديقا.
تعقيدات قضية دارفور ليست خافية على أحد، فكل من حمل سلاحا كون حركة. وساهمت الحكومة بقدر كبير في تسليح بعص هذه الحركات. ووجد بعضها دعما من دول كبرى لها ثقلها، مثل ألمانيا وفرنسا وإسرائيل، ونتيحة لهذا الدعم، حاول خليل ابراهيم نقل الصراع من دارفور الى الخرطوم. ووصفت تلك المحاولة بأنها انتحار بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وقد كان راح ضحيتها خليل وفقد خلالها الكثير.
منذ العام 2003م ظلت دارفور مسرحا مفتوحا على كل الاحتمالات وارض مصالح وصراع. ونجح ابناء دارفور في تسويق قضيتهم دوليا. واستشعارا من الحكومة لخطورة ذلك، بذلت كل ما في وسعها لمعالجة الأزمة المستفحلة يوما بعد يوم، ودخلت في الكثير من المحاصصات والاتفاقيات. فلأول مرة ظهر أبناء الإقليم وهم يتبوأون أرفع مناصب الدولة، فكان من نصيبهم نائب رئيس الجمهورية، شغله كل من الحاج آدم وحسبو عبد الرحمن، وآخرهم عثمان كبر. وبعد الثورة تبدل الحال تماما وصعدوا إلى قمة هرم الحكم. ولكن كل ذلك لم يشفع، وظلت القضية تراوح مكانها.
وعند اندلاع ثورة ديسمبر، ظلت قضية دارفور حاضرة. وبلغ الأمر بأن خاطب بعض أفراد الحركات المسلحة الناس، وهم على بعد أمتار من القيادة العامة، بأنهم يتحدثون إليهم من المناطق المحررة، في استفزاز واضح للقوات المسلحة وهم في عقر دارها. ولأن الأجواء حينها كانت لا تحتمل، كظمت القوات المسلحة غيظها. وكثيرا ما هتف الثوار وهم في القيادة العامة ضد البشير بشعار: (يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور)، في دلالة تضامنية ان ما تعرضت له دارفور بستوجب وقوف كل أبناء الوطن الواحد، دون مزايدة من أحد. وقد كان ولكن هل تغير الحال؟.
وعندما تولى حمدوك رئاسة مجلس الوزراء، زار الحلو رغم تعنته الواضح ومطالبه بعلمانية الدولة وتحقيق المصير. أين الحلو الآن؟ وأين عبد الواحد؟ وأين؟…وأين..؟.
ستظل قضية دارفور حاضرة سلما وحربا، تستخدم حسب مقتضيات الحال. يسقط من كان نجما، ويصعد من كان في القاع. وغاية ما نتمناه أن تعود لدارفور عافيتها، لأنها من عافية السودان.
ختاما. نحمد لدقلو اعتذاره. وإن كان كلامه لم يخرج عن سياقه الذي قاله فيه. ونرحب به في مروي ونقول له: أنت في وطنك السودان، فلا يحتاج أمر التنقل ولا حتى الإقامة إلى جواز سفر، أو أذن مرور من أحد. فإن رمت غير هذا، فدونك التاريخ وعبره، ينبئك عن عظاته رجال عانوا هناك الكثير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى