آراء

على طريقة قطبي في الرسم بالكلمات بعاعيت الشامي ونواميس حمدوك

كتب: هاشم عوض

 

مجمع اللغة العربية وبعاعيت الشامي
قبل سنوات خلت، لا أذكرها على وجه التحديد. أجريت حوارا مع أستاذي البروفيسور محمد أحمد الشامي، رحمه الله، عميد كلية الآداب بجامعة أم درمان الإسلامية. نشرته (صحيفة الصحافة)، كانت محاوره تتناول حال اللغة العربية والتدهور المريع الذي ينتظم ساحاتنا الأدبية والإعلامية والفكرية. تحدث فيه الشامي حديث العارفين بصراحته المعهودة، منذ أن عرفناه ونحن طلاب بالجامعة وحتى تخرجنا فيها، فهو من المتعصبين للغة العربية، وكان ينعت من يلحنون فيها ولا يجيدونها بالبعاعيت يقول لك: (الزول دا بعاتي ساكت). سألته ماذا تعرف عن مجمع اللغة العربية؟!، جاءت إجابته ساخرة: لا أعرف عنه شيئا، الأمر الذي أثار ضجة وجعل مديره آنذاك، البروفيسور علي أحمد بابكر ومن معه بالمجمع، يتصدون بالردود والتعليقات والتوضيحات. وإن كان المقصود من سؤالي وإجابة الشامي عنه، هو أن للمجمع دورا ينبغي عليه القيام به تجاه اللغة العربية ورسالته تصب في هذا الاتجاه. وكان رأيه يجب تعيين أصحاب الاختصاص والدراية، حتى نضمن أن يؤدي المجمع دوره المطلوب، ولكن أن يشغله آخرون من غير أهل التخصص، فهذا أمر محير. ووجه فيه رسائل خاصة لوسائل الإعلام ومن يعملون فيها. والآن نجدد الدعوة مرة أخرى خاصة لمجمع اللغة العربية، ونتمنى أن يؤدي دوره ورسالته حتى ينصلح حال اللغة، وإن كنا نراه أمرا بعيدا، فحالها للأسف لا يسر. لك واسع الرحمة والمغفرة بروف الشامي.
نواميس حمدوك واستعمار المنصورة
تابعنا ولا نزال، الحملة التي تعرضت لها وزيرة الخارجية، مريم الصادق واستخدامها لكلمة (استعمار) وفهم منها أنها دعوة لاستباحة بلادنا. اختلف الناس حول أمرها، فمنهم من دافع عنها وقال إنها كلمة قرآنية وردت في القرآن الكريم واستخدامها صحيح. وأصدرت مريم بيانا أوضحت فيه أن ما قالته يعبر عن رأيها الشخصي، فهي بقولها هذا زادت الطين بلة. ولاحقا طالعنا بيان الوزارة والذي جاءت عباراته بردا وسلاما ودفاعا عن الوزيرة وعن مواقفها وثوريتها التي لا ينبغي التشكيك فيها.
يبدو لي، أن المنصورة أرادت مجاراة والدها- المغفور له بإذن الله- السيد الصادق المهدي، الذي كان من البارعين في استخدام الكلمات الدارجة التي يسهل تداولها ببن الناس وتؤدي غرضها المطلوب. مثالا لذلك (الفش غبينتو خرب مدينتو.. أكلوا توركم وأدوا زولكم)، وأحدثها وصفه لثورة ديسمبر في مرحلة من مراحلها (ببوخة المرقة)، هذا الوصف الذي أثار عليه حفيظة الكثيرين، خاصة الثوار منهم. بجانب براعته أيضا في استخدام الفصيح من الكلام. المهدي كان له قاموسه السياسي الخاص تفرد به وحده ومن أراد مجاراته سيكلفه ذلك الكثير . فور سماعي لخبر وفاته علقت بالعبارة التالية: (بموت الزعيم السياسي الفذ، السيد الصادق المهدي، أضحت الساحة السياسية أرضا بلقع، سيعربد فيها بغاث السياسيين).
ولأن الشئ بالشئ يذكر. ففي خريف العام قبل الماضي، زار دولة رئيس الوزراء الدكتور حمدوك مناطق الريف الشمالي التي تضررت جراء الخريف وفي مخاطبته لهم قال: (هذه مطالب بسيطة. إنهم يحتاجون لخيام ونواميس). مرت كلمة (نواميس) مرور الكرام، ولم تجد حظها من التداول والتعليق لحسن حظنا وحظ الرجل.
عبد المنعم قطبي والرسم بالكلمات
كنت من المتابعين لمجلة (الملتقى)، فهي بحق كانت جديرة بالمتابعة لما تحتويه من مادة دسمة. وأطرب عندما أطالع كتابات الأستاذ عبد المنعم قطبي، رحمه الله. لم يدر بخلدي أنني سالتقيه يوما وأجلس إليه، ولكن هذا ما حدث بالفعل. التقيت الرجل في (بيت الثقافة) والذي كثيرا ما كان يتردد إليه، فهو كان ضمن كتاب صحيفة (سنابل) الصادرة عن البيت. الأستاذ عبد المنعم قطبي له عباراته المميزة، وأسلوبه الفريد في الكتابة، يسحرك بتعبيره الأخاذ حتى وإن كان نقدا، وما أروع النقد عنده والسخرية تتقبلها وأنت تضحك. رجل كالنسمة قليل الحديث، ولكنه عميقه، نقي النفس والسريرة، صابر على ابتلاءات الدنيا، لم يرزقه الله أبناء. كنا نسعد لأنسه وهو يحادثنا في مختلف الأمور حديث العارفين، نتلهف حضوره وننتظر زاويته (الرسم بالكلمات) بصبر وشوق. كتب الكثيرون تحت هذا العنوان، ولكنه عند قطبي رسم بالكلمات بحق وحقيقة. غادر دنيانا الفانية أيضا في هدوء، كان صابرا رغم الابتلاء والمرض، ولم تفارقه الابتسامة. لا زلت أذكر تلك اللحظات عندما ذهبنا لتقديم واجب العزاء فيه بمنزله بالصحافة، وجدنا الكثيرين هناك من أهل الأدب والثقافة والإعلام وهم يبكونه.
اشتهر باستخدامه للفظ (أقطع ضراعي كان فهمت حاجة)، تعليقا على حذلقة المذيعين. ومن أقواله الساخرة، (اقرأ كل ما يكتب في الصحف حتى أخبار الوفيات والاجتماعيات والركيك من الكلام، ففي ذلك مران على الصبر الجميل).
قطبي لو كنت بيننا الآن، لاستبدلتها بعبارة (أقطع رقبتي). ما نعيشه يستوجب قطعها، حتى تكون في حل عن معرفة وسماع الحاصل.
ود عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى