آراء

لا لضرب النساء !! … كتب: هاشم عوض

قبل سنوات خلت. ظهر رجل غريب متوسط القامة، ممتلئ الجسم، يرتدي زي الدفاع الشعبي، ويحمل سوطا غليظا لا يفارقه، وهو يتجول وسط الخرطوم. يراقب المارة، وما أن تقع عيناه على فتاة ترتدي ملابس ضيقة أو حاسرة الرأس، حتى يصيح بأعلى صوته: (غطي راسك يا بت). فإن لم تستجب، يلهبها بسوطه العجيب. وكثيرا ما كنا نشاهده بالقرب من الجامعات وأماكن المواصلات. أثار الرجل رعبا بين البنات وتصدر مجالسهن. الكثيرات منهن كن يتحاشينه، ويتركن له الطريق. وظللن في حذر من ملاقاته تفاديا لسوطه الرهيب. وظلت عبارات التحذير بين البنات حاضرة: (يا بت اعملي حسابك الراجل المجنون ما يشحمطك). وبالسؤال والاستفسار عن الرجل، قيل إنه كان من مجاهدي الدفاع الشعبي، ومن مرتادي مناطق العمليات. وتذكرون الحرب التي كانت معاركها مشتعلة حينها في جنوب السودان. ويبدو أن الرجل كان من ضحاياها، ترك عقله هناك، وعاد بجسده، عافاه الله. استمر الحال لفترة ولم تتدخل جهة للتصدي للرجل ومنعه. في مثل حالته هذه، كان على الشرطة القيام بواجبها تجاهه. إن سلمنا إنه يعاني من علة نفسية، أو إن شئت الدقة مجنون، فيمكن استلامه وتحويله إلى المصحة والوصول إلى أولياء أمره، والذين أيضا لهم مسؤولية تجاهه، يجب عليهم متابعته وعدم السماح له بالخروج أصلا، لأنه يمكن أن يتسبب في جريمة. ونعلم أن فاقد العقل، مرفوع عنه الحرج والتكليف، شرعا وقانونا، ومسؤوليته تؤول إلى أهله والمجتمع وتحديدا الشرطة.
للأسف تفشت ظاهرة انتشار المجانين والسكارى وسط الخرطوم، وأصبحوا مهددا لأمن العاصمة وأمانها. المهم استمرت ظاهرة الرجل لفترة حتى اختفى فجأة، ولم نجد تفسيرا لاختفائه. وحمدنا الله على ذلك بأن أراح بناتنا من سوطه الرهيب.
سيناريو السوط نفسه، يعود مجددا هذه الأيام. وهذه المرة ليس شخصا واحدا، إنما مجموعة من الشباب يحملون سياطهم وبجلدون المتبرجات من البنات، اعتقادا منهم أن الشارع فلت، ويحتاج إلى إعادة ضبط. الظاهرة وجدت استنكارا على نطاق واسع خاصة من النساء. وتزامنت مع حديث مدير شرطة ولاية الخرطوم، والذي أقر بوجود انفلات في الشارع، وأرجع سبب ذلك إلى إلغاء قانون النظام العام. استنكر الكثيرون حديثه هذا وقابلوه بسخط وطالبوا بإقالته فورا. قانون النظام العام كان قد أثار جدلا كثيفا حينها، وراح ضحيته الكثيرون ولم يتوقف الجدل حوله حتى تم إلغاؤه. وبالفعل استجابت جهات الاختصاص لتلك الضغوط وأصدرت قرارها بإقالة الرجل من منصبه.
بعيدا عن الجدل الذي لا يفيد. لو أن كل شخص منا قام بدوره، وأدى ما عليه على أكمل وجه، لجنبنا أنفسنا مشقة الكثير. (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). بدءا من الدولة وجهاتها العدلية، فهي المسؤول الأول عن الجميع، مسؤولة عن ضبط تصرفاتنا الفردية والجماعية. وينبغي أن تختفي (كلمة أنا حر) في ما أفعل، فهذه مردودة عليك، فحريتك لها حدود تنتهي عندها. ولكن عندما تغيب هيبة الدولة، تظهر مثل هذه الظواهر، وينصب كل منا نفسه حاميا للقيم ومدافعا عنها، كل بمزاجه وحده، وتبدأ حالة فردية وفي إطار محدود وضيق، ثم تتطور شيئا فشيئا لتصبح ظاهرة جماعية وينفرط عقد الأمن.
دعونا نقر، ما من حق أحد كائنا من كان، أن يحمل سوطا ويجلد فتاة. بأي حق تفعل ذلك؟ ومن وضعك في هذا المقام؟ أنت مسؤول عن نفسك، وعن أفراد بيتك، زوجتك وأولادك، راقب سلوكهم ومظهرهم وتصرفاتهم، ولك مطلق الحرية في ذلك، توجههم وفقا لما أمرك به ربك، وبما ورثته من قيم مجتمع سوداني أصيل، قيم لا يحيد عنها إلا القليلون.
شارعنا بحمد الله منضبط، ولكن ذلك ليس على إطلاقه، قد تجد بعض الحالات الشاذة. فالبنت التي تخرج بملابس ضيقة وغير محتشمة، تجد استنكارا من الناس، وتجدها محرجة هي قبل الآخرين من ملابسها تلك، وتجني ثمار تصرفها أينما حلت، تطاردها لعنات الناس وعباراتهم المستنكرة من شاكلة: (قليلة أدب.. يا ما عندك والي.. يا ساتر.. يا لطيف ألطف علينا). وقد تجد من يقر تصرفها هذا، وينبري لها مضايقا ومعاكسا، بعبارات غير لائقة. وربما تجد شخصا متهورا- وما أكثرهم هذه الأيام- يذهب إلى أبعد من ذلك. عندها ستدفع ثمن سفورها وانحلالها وعندها لن يجدي الندم.
لا أحد يقر ضرب النساء وإهانتهن. ومن يفعل ذلك لئيم. (ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم). لذلك ندين وبشدة كل أسباب العنف ضد المرأة، فهي تستحق منا كل احترام وتقدير. فإن نزع الاحترام فذلك سيجر علينا الكثير.
ود عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى