آراء

وداعا عيسى.. وترجل عن الفانية التاجر الصدوق !! … كتب: هاشم عوض

اتصل بنا ابن عمتنا ماجد فجر السبت الماضي، والذي وافق الثالث من أبريل، لينقل لنا النبأ الحزين برحيل والده، المغفور له بإذن الله العم عيسى عبد الماجد على الحبو. وعادة في مثل هذه المناسبات الحزينة لا نسأل عن التفاصيل، من شاكلة المرحوم كان عيان، رغم إيماننا التام بقضاء الله وقدره، وأن الموت لا يحتاج إلى أسباب، فكم من شخص غادرنا، وهو في كامل الصحة والعافية، وكم من شخص كان طريح الفراش وفقدنا الأمل في نهوضه، ولكنه عاد مرة أخرى سليما معافى، او كما نقول كتب له عمر جديد.
العم عيسى عبد الماجد، كثيرا ما أتى إلى العاصمة طلبا للاستشغاء، ورجع إلى مقلنارتى معافى. وعندما نقل إلينا خبر وفاته، كان في كامل صحته. وقبل أيام من رحيله كان حضورا ومشاركا في مناسبة فرح ابن العمة، عماد محمد صالح، والتي كانت يوم الجمعة قبل الماضية، كان حضورا بين الناس ولم يكن يعاني من أية علة. وشاءت إرادة المولى أن تتوفى والدة العريس عماد، العمة فاطمة حسين البصيلي عصر اليوم نفسه، الذي حدث فيه زواج ابنها، لها واسع الرحمة والمغفرة، ولابنها خالص الأمنيات بحياة زوجية سعيدة. كان عمنا عيسى رحمه الله حضورا في المناسبتين، ولعلها كانت الفرصة الأخيرة التي يشاهده فيها كثير من الأهل.
حكى لي ابنه عبد الماجد اللحظات الأخيرة لما قبل رحيله. كعادته والتي دأب عليها، يوم الجمعة يذهب إلى المسجد باكرا. وقبل بداية الخطبة شعر بألم وغادر المسجد فورا، وتم نقله إلى مستشفى مروي وقضى فيها يوم الجمعة، وكانت حالته مستقرة. وفي صباح يوم السبت فاضت روحه إلى بارئها. وكان آخر عهده بهذه الفانية، أن تلا سورة يس كاملة، وقال لي ابنه ماجد إنه كان متابعا له بالموبايل حتى أتمها ففاضت روحه. رحمه الله كان يحرص على قراءة القرآن بصورة راتبة.
عقب أدائنا لصلاة المغرب يوم رحيله، وقفت خطيبا أمام الجمع الحاشد لأتحدث عنه. وقبل أن أبدأ حديثي، استرجعت شريط الذكريات السابقة، أي حديث لي يطيب والعم عيسى غادر صالونه الفسيح، الذي كان يزينه ويميزه بصوته الجهور الذاكر، والمسبح بحمد الله وشكره.
قلت للحضور، أحدثكم عن رجل يعرفه كل صغير وكبير على امتداد منطقة كورتي، مجاملا ومواصلا لرحمه ومتفقدا للجميع دون تمييز، حنى وأن لم تربطه بهم صلة قربى ورحم.
عمل الفقيد بمهنة التجارة، وهو مثال للتاجر الصادق الصدوق، الذى كان يتوخى الصدق في مهنته، ويبتغي فيها مرضاة الله.
دكان العم عيسى كان قبلة للجميع، وعنوانا لمنطقة مقلنارتي والأراكة. كان الجواب يعنون باسمه، تطالع على الظرف عبارة، إلى السيد عيسى عبد الماجد تاجر بسوق كورتي ومنه إلى فلان الفلاني. وكانت الاموال ترسل أيضا باسمه. لا زلت أذكر دفتر الجرورة، كما كان يطلق عليه، وفيه يتم تدوين أسماء الأشخاص الذين لا تمكنهم ظروفهم من الدفع كاش، يتم منحهم فرصة حتى آخر الشهر، بالنسبة للموظفين لحين استلام مرتباتهم، وبالنسبة لمن لهم أبناء في الخرطوم أو غيرها لحين إرسال المصاريف لأهلهم. أو انتظار موسم حصاد النخيل. ينتظر كل هؤلاء في صبر وأريحية ودون ملاحقة منه.
العم عيسى، كان معروفا بصدقه الشديد، وربحه البسيط بعيدا عن طمع التجار وجشعهم، لذلك بارك الله له في تجارته، ووسع له في رزقه وضاعفه له. كان لا يدخل نفسه في جدلية حلال وحرام هذه. مثال بسيط لذلك، الجدل الدائر بين العلماء حول حرمة السجائر، وهل يجوز العمل فيه أم لا؟. عند عمنا عيسى السجائر حرام، لذلك لم تدخل كرتونة سجائر إلى دكانه.
العم عيسى، كان له دكان أيضا بسوق كورتي، وكان مصدرا لصغار التجار، الذين يأتون إليه من المناطق المجاورة، خاصة يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع، يشترون منه ويذهبون إلى مناطقهم ليتكسبون من بعده، وكان سببا في تحول الكثيرين منهم إلى تجار معروفين.
ظل بيت الأسرة الكبيرة العامر، بمنطقة مقلنارتي بالشمالية، والذي أقيم فيه العزاء قبلة للكثيرين. تدافع الأهل من كل حدب وصوب فور سماعهم لنبأ وفاته. جموع هائلة لا زالت تتوافد حتى اليوم، رغم دخولنا اليوم الثاني لوفاته وبالكثافة نفسها. تعالى بكاء الرجال ونحيبهم. ولك ان تتخيل هول المشهد، عندما يبكي الرجال. الرجال لا يبكون بسهولة، ولكن العم عيسى أبكى الجميع رجالا ونساء. بكاه أناس لا تربطهم به صلة رحم، جمعهم به السوق فقط.
العزاء الذي بقي من سيرة الفقيد، أنه ترك ذرية صالحة، فابناؤه أربعتهم- حفظهم الله وبارك فيهم- ورثوا عنه عمله التجاري، وساروا على نهجه تجارا، وعلى خطاه صدقا وممارسة، وعلى قيمه مواصلة لأرحامهم ومجاملة وتفقدا. رباهم على ذلك وأحسن تربيتهم.
الشكر والتقدير لكل من حضر واتصل وشيع ودفن. نسأل الله لفقيدنا عيسى، واسع الرحمة والمغفرة، وأن يجعل البركة في ابنائه.
ود عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى